6817
الفتاوى - العبادات – الدعاء مخ العبادة - الفتوى 016 : ما مصداقية دعاء النصف من شعبان هل ورد بالقرآن الكريم أو أوثر عن النبي صلوات الله عليه ؟
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2015-05-29
بسم الله الرحمن الرحيم

سؤال :

فضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
ما صحة هذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان : اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم , اللهم يا ذا المن ولا يمن عليه ، ياذا الجلال والإكرام وياذا الطول والإنعام , لا اله إلا أنت ظهر اللاجئين وأمان الخائفين وجار المستجيرين , اللهم إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا أو محروما أو مطرودا أو مقترا في الرزق فأمحو اللهم بفضلك شقاوتي وحرماني وطردي واقترار رزقي وأثبتني عندك في أم الكتاب سعيدا مرزوقا موفقا للخيرات بإذنك فانك قلت وقولك الحق في كتابك المنزل على قلب ولسان نبيك المصطفى سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ............................
وجزاكم الله عنا كل خير

الجواب :

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وبعد.
الأخ الكريم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
إجابة على سؤالكم، نفيدكم بما يلي :
 هذا الدعاء من وضع رجال يخطئون مثلما يصيبون وتزل قدمهم مثلما ينهضون ، والقرآن هو الحكم والفيصل والحجة والبيان.
 إن الله تعالى الذي وسعت رحمته كل شيء ، والذي قال في حديث قدسي :

((لو يعلم الكافر حبي له لتقطعت أنفاسه حياءً))

 والذي قال في حق عباده العاصيين :

((إن تابوا فأنا حبيبهم ، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم))

 إن الله تعالى أرحم من الأم بولدها ، بل أرحم بعبده من نفسه ، إنه تعالى قد خلق الخلق ليسعدهم ، وليرحمهم ، إن الله تعالى ـ وهذه رحمته ـ لا يُعقل أن يكتب على إنسان أن يكون شقياً محروماً مقتراً عليه في الرزق قبل أن يأتي إلى هذه الدنيا ، وقبل أن يظهر خيره من شره ولكنه يكتب عليه ، ما قدم من عمل ، ولا يجبره على عمل ما ، فالمسؤولية لا تكون إلا بالحرية ، وأنت لا تحاسب أحداً على عمل ألزمته بفعله ، قال تعالى :

﴿ إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ ﴾

﴿ َنَكْتُبُ ﴾

 فعل يدل على الزمن الحاضر .

﴿ قَدَّمُوا ﴾

 فعل يدل على الزمن الماضي .
 أي أن الله يكتب على الإنسان ما قدم فعله من أعمال ، وليس العكس .
 وإذا أصاب الإنسان شقاء ، أو حرمان ، أو تقتير في الرزق ، فمن عمله ، ومما كسبت يداه .
 جاء في الحديث القدسي عَنْ أَبِي ذَرٍّ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَى عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَالَ :

((يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا فَلا تَظَالَمُوا يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلا مَنْ هَدَيْتُهُ فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلا مَنْ أَطْعَمْتُهُ فَاسْتَطْعِمُونِي أُطْعِمْكُمْ يَا عِبَادِي كُلُّكُمْ عَارٍ إِلا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسُكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ تُخْطِئُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فَاسْتَغْفِرُونِي أَغْفِرْ لَكُمْ يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْفَعُونِي يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَهُ))

 والدعاء مخ العبادة إذا كان متوافقا مع الكتاب والسنة لذلك:
 الله سبحانه وتعالى أعظم وأكرم وأرحم من أن يصرف عن عبده المؤمن خيراً ، أو يسوق إليه مصيبة إلا بالدعاء .
 والمصائب والمحن والشدائد هي في غايتها علاج رباني للنفوس المريضة ، قال تعالى :

﴿ وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾

 فلا تبرأ النفس من أمراضها ؛ من الحسد ، والضغينة ، من الحقد والكراهية ، من اللؤم والبخل ، من السرف والكبرياء ، من الكذب والنفاق ، من الأثرة والجشع .
 لا تشفى النفس من كل هذه الأمراض ، إلا بصلتها بالله والتجائها إليه وتوجهها نحوه ، وكلما كانت الصلة محكمة كان الشفاء عاجلاً ، ومن هنا كانت المصائب والمحن دافعاً إلى هذه الصلة المشافية، والدعاء قمة هذه الصلة ، وهو أعلى مستوى من مستوياتها ، لأن النفس تتوجه إلى الله في الدعاء من أعماقها ، بسبب حاجتها إليه ، قال تعالى :

﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ ﴾

 فالدعاء مخ العبادة ، وهو صلة محكمة بالله ، لأن دافعه الحاجة الملحة وفي هذه الصلة تشفى النفس من أمراضها ، وبهذا الشفاء تزول المصاب والمحن لزوال مسبباتها ، قال تعالى :

﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآَمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً ﴾

 عن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :

((لن ينفع حذر من قدر ولكن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء))

 فحينما يقدر الله لعبد مصيبة من أجل تطهيره من أمراضه النفسية لا ينفع حذر ولا ذكاء ولا وساطة في دفعها وقد قيل في الأثر :

((يؤتي الحذر من مأمنه))

 ولكن الدعاء وما ينطوي عليه من صلة وشفاء ، ينفع وحده في دفع المصيبة ، وأية مصيبة ، لأن الشفاء قد حصل والدواء قد بطل .
وفي حديث آخر :
 عَنْ سَلْمَانَ رضي الله عنه قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((لا يَرُدُّ الْقَضَاءَ إِلا الدُّعَاءُ وَلا يَزِيدُ فِي الْعُمْرِ إِلا الْبِرُّ))

 ولكن المؤمن الذي فتح الله بصيرته ، فعرف ربه وأحبه وقدره حق قدره ، يدعو ربه في الرخاء قبل الشدة ، وفي الصحة قبل السقم ، وفي الغنى قبل الفقر ، ففي هذا الدعاء سعادة أيما سعادة ، وفي هذا الدعاء قرب من جناب الله العالي ، وفي هذا الدعاء نفحات ربانية لا يعرفها إلا من ذاقها ، وهذا دعاء شكر ووصال ، ولعل دعاء الأنبياء وكبار المؤمنين من هذا القبيل .
 لذلك فالدعاء في الرخاء معرفة بالله ، وشكر على نعمائه ، وقرب من جنابه والدعاء في الشدة يستوي فيه المؤمن وغير المؤمن .
 ولا تظنَّ أن الدعاء يجب أن يكون في الأمور الخطيرة بل إن المودة التي بين المؤمن وربه تجعله يسأله كل شيء صغر أم كبر وقد روى ابن حبان عن رسول الله صلوات الله عليه أنه قال :

((عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَسْأَلْ أَحَدُكُمْ رَبَّهُ حَاجَتَهُ حَتَّى يَسْأَلَهُ الْمِلْحَ وَحَتَّى يَسْأَلَهُ شِسْعَ نَعْلِهِ إِذَا انْقَطَعَ))

 وقد جاء في الحديث القدسي عن أبي هُرَيْرَةَ قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((إِذَا بَقِيَ ثُلُثُ اللَّيْلِ نَزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ مَنْ ذَا الَّذِي يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَرْزِقُنِي فَأَرْزُقَهُ مَنْ ذَا الَّذِي يَسْتَكْشِفُ الضُّرَّ فَأَكْشِفَهُ عَنْهُ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ))

 لهذا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

((مَنْ لَمْ يَدْعُ اللَّهَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ))

 وللدعاء شروط
 لذلك : ثقوا بربكم ، وضعوا عنده همومكم ، وحوائجكم ولا تلتفتوا إلى غيره ، ولا تدعون دعاء الممتن ، بل دعاء الواثق من الإجابة وإذا أردتم عطاء لا ينفذ ، وسعادة لا تنقطع ، فاشغلوا أنفسكم بذكره ، وعرفوا الناس به ، فقد جاء في الحديث القدسي :

((من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته فوق ما أعطي السائلين))

 وفي حديث قدسي آخر :

((ومن أحبنا أحببناه ، ومن طلب منا أعطيناه ، ومن اكتفى بنا عما لنا كنا له وما لنا))

 فالدعاء سلاح المؤن ، وعماد الدين ، ونور السماء والأرض .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS