53435
التفسير المطول - سورة البقرة 002 - الدرس (78- 95):تفسير الآيات 226-229، الطلاق وضوابط العلاقة بين الزوجين
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2000-06-16
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

الإيلاء في اللغة :

أيها الأخوة الكرام.. مع الدرس الثامن والسبعين من تفسير دروس سورة البقرة، ومع الآيات السادسة والعشرين بعد المئتين والتي بعدها، يقول الله عز وجل:

﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

أيها الأخوة الكرام هذا حكمٌ أساسي فيما بين الزوجين، لأن الله هو العليم الخبير بهذا الإنسان..

﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾

الإيلاء في اللغة الامتناع باليمين، أن تمتنع عن شيءٍ وقد حلفت عليه اليمين، فهذا معنى الإيلاء في اللغة، وأما في عُرف الشرع فالامتناع باليمين عن وطء الزوجة أو عن اللقاء الزوجي، وهذا يحدث بين الأزواج كثيراً، فالعليم الخبير أعطانا حُكْماً في هذه الحالة؛ أولاً:

﴿ لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ﴾

هذه " مِن " أُلحقت بالفعل "يؤلون"، ليتضمّن الفعل معنى يمتنعون، أي على الذين يمتنعون من نسائهم تربُّص أربعة أشهر، فلقد جعل الله للأزواج مدةَ أربعة أشهر يمتنعون فيها مِنْ نسائِهم بالإيلاء، فإن مضت فلا بد مِن حسم، هذه لا حرب ولا سلم، قطيعة مديدة لا تنتهي!! وهذا يتناقض مع حكمة الزواج، فلا بد من حسمٍ بعدَ هذا الوقت، إما أن تبقى كزوجة، وتعامل كزوجة، وتعاشر كزوجة، ويحسن إليها كزوجة، وإما الفراق، أما هذا الذي يدع زوجته أشهراً طويلة بلا حساب، ولا اهتمام، ولا مسؤولية، فهذا له حكمٌ في الشرع سوف نراه بعد قليل..

الحكمة من جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر :

مدة الإيلاء ينبغي ألا تزيد على أربعة أشهر
جعل الله سبحانه وتعالى مدة أربعة أشهرٍ للأزواج يمتنعون فيها من نسائهم بالإيلاء، فإن مضت المدَّةُ حَسَمَ الأمرَ، فإما أن يفيء الزوج، وإما أن يطلِّق، أيْ إما أن يصحوَ، ويعاشر زوجته، ويعاملها كزوجة، ويحسن إليها، أو أن يطلقها، أمّا أنْ تبقى المرأة معلَّقة؛ لا هي زوجةٌ يعطيها زوجها حقها، ولا هي مطلقة تبحث عن زوج، فهذا وضعٌ خطيرٌ ومَرَضِيّ قد يفضي إلى الخيانات والانحرافات.
قبل أن أتابع الحديث عن هذا الموضوع، لا ينبغي للإنسان أن يقبل عملاً يبتعد فيه عن زوجته سنةً فأكثر، فهذا يدمِّر حياته الزوجية، يدمره أو يدمر زوجته، لأن الخالق الكريم، الحكيم، الخبير، جعل مدة أربعة أشهر، أطول مدةٍ يمتنع فيها الزوج عن زوجته، وأطول مدةٍ تتحمَّل الزوجة البُعْدَ عن زوجها، وبعد هذا التاريخ لا بد من عودةٍ أو فصلٍ.
أيها الأخوة؛ اتفق الأئمة على أن المُولي ـ المولي اسم فاعل من الفعل آلى ـ على أن المولي إذا فاء إلى المواصَلة مع زوجته لزمته كفارة اليمين، وهذا شيءٌ بديهي؛ حلف يمين إيلاء ألا يقربها، فإن مضت أربعة أشهرٍ ثم صالحها، وقرَّبها، وعاشرها زوجة، فعليه كفارة يمين تفهم من آياتٍ كثيرة.
أيها الأخوة؛ جعل الله مدة الإيلاء أربعة أشهر، لأن هذه المدة هي المدة التي يمكن كما قلت قبل قليل للزوجة أن تتحمَّل بُعْدَهَا عن زوجها، فإن رجع هؤلاء الأزواج إلى بقاء الزوجية واستدامة النكاح فإن الله غفورٌ رحيم لا يؤاخذهم بتلك اليمين بل عليهم أن يكفروا عنها، فكل إنسان يحلف على امرأته يميناً ألا يقربها، فهناك أربعة أشهر، إن مضت وقاربها، فعليه كفارة اليمين، ولا شيء عليه بعد ذلك، وتعود الأمور إلى مجاريها، أما إذا امتنع عن ذلك، فلا بد أن يطلِّقها..

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

فقول الله عز وجل: "فإن الله غفورٌ رحيم"، أي لا يؤاخذكم بتلك اليمين، بل يغفر لكم ويرحمكم.

الطلاق قرار مصيري :

التريث في أمر الطلاق لحمايةالأسرة
قال تعالى:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾

الآن دقق، عزم الطلاق، الطلاق قرار مصيري، لقد فكَّر، وفكَّر، ودقَّق، وتريَّث، وراجع نفسه، ووازن، ووضع الإيجابيات على اليمين، والسلبيات على اليسار، ثم اتخذ قراراً بتطليق زوجته، فهكذا الطلاق، أما ساعة غضب، بلا مبرر، يطيح بزوجته، ويشرد أولاده، ويهدم أسرته، فهذا ليس من حقيقة الشرع في شيء، وليس من قصد الشريعة في شيء، قال:

﴿ وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ ﴾

أي وقع العزم منهم عليه..

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

فالله عز وجل يعلم نيَّتك، ويعلم مَن هو الظالم، وكلمة:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

فيها تهديد، أنت قل ما شئت، ولكن الله يعلم الخفايا، والبواعث، و المبررات، والأهداف التي عقد من أجلها الطلاق.

تأديب الزوجة يجب أن يكون من أيام إلى أربعة أشهر :

أيها الأخوة؛ مَن حلف ألا يطأ امرأته ولم يقيِّد ذلك بمدة، أو كانت المدة أكثر مِن أربعة أشهر، إنسان حلف يميناً مُطْلَقاً ألاَّ يقارب زوجته، أو حلف يميناً ألا يقارب زوجته سنةً، فما حكمه؟
هذا يمهل أربعة أشهر، فإن مضت فهو بالخيار إما أن يرجع إلى زوجته، وتعود زوجته كما كانت مع كفَّارة اليمين، وإما أن يطلِّقها، وعندئذٍ له حكم المُطَلِّق ابتداءً، أما إذا وقَّت يمين الإيلاء دون أربعة أشهر، قال: لشهر، أو لشهرين، أو لثلاثة أشهر فعليه أن يبرَّ في يمينه، ويعتزل امرأته التي حلف أن يبتعد عنها، حتى تنقضي المدة. فمسموح أن يحلف الإنسان يمين إيلاء يبتعد فيها عن زوجته مدةً تقل عن أربعة أشهر، هذا كلام الخبير، أما أربعة أشهر، فلا بد من حسم؛ إما أن تكون زوجة، تعامل كزوجة، تعاشر كزوجة، وإما أن يُطْلَقَ سراحها، فتبحث عن زوجٍ آخر، أما وضع المعلَّقة فلا هي زوجة ولا هي مطلَّقة، هذا وضعٌ شاذٌ قد يسيء إساءةً بالغة جداً، وفي بعض البلاد التي تحرِّم الطلاق أصلاً قد ينشأ خلافٌ بين الزوجين فيتباعدان، فما الذي يحصل؟ لكل طرفٍ خُلاَّن، فالزواجٌ شكل صوري، والزوج عن يمين، والزوجة عن يسار، وهذا وضع في الإسلام ليس له وجود إطلاقاً.

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

[ سورة البقرة: 229 ]

أي إن أردت تأديب الزوجة فيجب أن تؤدِّبها دون أربعة أشهر، من أيام إلى أربعة أشهر، وبعد هذه المدة سواءً حلفت أن تبتعد عنها سنةً أو سنتين، فهذا الوقت لا قيمة له إلا بأربعة أشهر وما دون هذه المدة، ولك أن تؤدِّبها بمدة دون أربعة أشهر، وهذا ممكن، إذاً يجب أن تبرَّ بيمينك، وأن تبتعد عنها المدة التي حلفت عليها يمين الإيلاء.
وقد أراد النبيُّ عليه الصلاة والسلام أن يؤدِّب بعض زوجاته، فحلف أن يبتعد عنهن شهراً، وإنَّ الإنسان إن لم يكن على علمٍ وعلى حكمةٍ فإنه يهدمُ بيتَه لسببٍ تافهٍ، ولسببٍ تافهٍ يشرِّد أولاده، ويخسر زوجته، أما إذا كان عاقلاً فلا بد من التأديب، والخلافات الزوجية حقيقةٌ واقعة، والزوجة لها هدف، والزوج له هدف، قد يتناقضان، أو يتحاوران، أو يتشادَّان، فلا بد من حسم، الزوج له أن يؤدِّب زوجته بأن يمتنع عنها، فيعظها أولاً، ويأمرها بالمعروف وينهاها عن المنكر، وقد يبتعد عنها تأديباً.

على الإنسان ألا يجعل اليمين حاجزاً بينه وبين العمل الصالح :

النبي عليه الصلاة والسلام آلى من نسائه شهراً، أما إن أراد أن يلغي هذا اليمين، إن أراد أن يقارب زوجته قبل مضي تلك المدة التي هي دون أربعة أشهر، حنث في يمينه، ولزمته الكفارة، فعلى كلٍ يمين الإيلاء إذا مضى عليه أربعة أشهر فلا بد من كفارة، أولاً تقديراً للزوجة، وثانياً تأديباً للزوج، أما إذا حلف أن يبتعد عنها شهراً، ثم رأى أن هذا الأمر لا يستدعي هذه العقوبة، فأراد أن يحنث بيمينه، لزمته كفارةٌ إذا قاربها قبل هذا الشهر، لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديثِ:

((مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ))

[ رواه مسلم عن أبي هريرة ]

هذه قاعدة أساسية، فأكثر الناس في ساعات الغضب يحلف يميناً ألاّ يزور أخته، أو ألا يقرض إنساناً مبلغاً، أو ألا يفعل معروفاً، أو ألا يفعل كذا، إنها ساعة غضب، فلأنك مخلوق للعمل الصالح، فالله جل جلاله من خلال النبي عليه الصلاة السلام سمح لك أن تحنث بيمينك، وأن تفعل الذي هو خير، فلا تجعل هذا اليمين حاجزاً بينك وبين العمل الصالح وأنت مخلوقٌ للعمل الصالح.
معنا مثل قريب؛ قرأ إنسانٌ كتاباً في كلية الطب مثلاً، رآه معقداً جداً، فضاقت نفسُه، ولم يفهم منه شيئاً، فحلف يميناً ألا يقرأ كتاباً في هذه الكلية!!! ومستقبله، ومصيره، ومرتبته العلميّة، وزواجه مبنيٌ على التخرُّج، فهل يُعْقَل أن يبر بيمينه، نقول له: احنث بيمينك، وكفِّر عنه، وافعل الذي هو خير. قال:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

وهذا أيضاً تهديد..

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

عليم بما يقع في الأنفس والبواطن من المُضارة والمضاجرة بين الأزواج.

الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال :

الطلاق أمنة بيد الرجل
أخواننا الكرام؛ هناك أشياء تزعج الزوج، وهناك أشياء تزعج الزوجة، ولكن القضاء لا يمكن أن يثبتها، قد تظهر أمام الناس أنك تحبها، وأنك تكرمها، وأنك تقدِّم لها كل شيء، وأنت في الحقيقة تبالغ في الإساءة إليها، دون أن يطالك القانون أو الأحكام القضائية، فإنسان يهين زوجته فيما بينه وبينها ولا يوجد شاهد، يمتنع منها إضراراً بها فلا يعاملها كزوجة، بل أقل من زوجة، وهناك أساليب كثيرة يفعلها الأزواج ولا يحاسبون عليها لا بالقضاء ولا بالقانون، بل هناك أشياء قد يفعلها الزوج لا تستطيع الزوجة أن تبوح به أمام أهلها، وتخاف أن تبوح به، وهناك زوجاتٌ يَفعلن شيئاً مع أزواجهن ولا يطالُهنَّ القضاء، فالله عز وجل يقول:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

أي هو عليمٌ بهذه الأعمال التي تسيء إلى الطرف الآخر. إنّه تهديد بما يقع في الأنفس والبواطن من المضارة والمضاجرة بين الأزواج في أمورٍ لا تأخذها الأحكام، ولا يمكن أن يصل علمها للحُكَّام، فجعل هذه الأشياء مكشوفةً عند الله عز وجل والله يحاسب عليها فقال:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

لذلك رأى العلماء أن الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال، فقدْ يدّعي إنسانٌ أنه رأى في بيته رجلاً ويطلق امرأته، وهو مُصَدَّق، فمَن يحاسبه إذا كان مخطئاً؟ وأحياناً يريد إنسانٌ أن يخرج من مهر زوجته فيتهمها بالزنا، وهذا شيء يقع، فمَن الذي سيحاسبه؟ ومَن الذي سيبطش به؟ إنه الله عز وجل..

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

الدين يقوم على المسؤولية أمام الله عز وجل :

قد يصطلح الزوج مع زوجته، وتهبه بيتها إكراماً لهذا الصلح، فيأخذ البيت ثم يطلَّقها، وهناك من يفعل ذلك، فهذه المرأة التي تكيد للزوج، وهذا الزوج الذي يكيد للمرأة، مَن سيحاسبهما؟ هناك أشياء ظاهرة بين الزوجين يمكن أن تصل إلى علم الحُكَّام، ولكن هناك أشياء لا يعلمها إلا الله، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾

هذا تهديدٌ من الله عز وجل، ولذلك فإنَّ الطلاق أمانةٌ في أيدي الرجال، كما أن العِدَدَ والاستبراء أمانة في أيدي النساء، وقضايا الرحم، ودم الحيض، والاستبراء، فهذه مَن يعلمها؟ إنّها متروكة أمانة بيد الزوجة، والطلاق أمانة بيد الزوج، فالدين يقوم على المسؤولية أمام الله عز وجل.
سآتيكم بمثل آخر: لو أن إنساناً ذهب إلى بلدٍ غربي، وتزوج امرأةً في مركز إسلامي، فهناك شيخ، وإيجاب، وقبول، ومهر، وشاهدان، وكل شروط العقد الصحيح متوافرة، فلو نوى التوقيت، مَن يعلم هذه النية؟ الله وحده، الله جل جلاله يعلم هذه النية التي تتناقض مع حِكمة الزواج، ولذلك فعندنا أحكام ظاهرية، وعندنا خبايا داخلية، والخبايا الداخلية الله جل جلاله مطلعٌ عليها.
هناك شيء آخر: أمَر اللهُ عز وجل الأزواجَ أنْ يتربَّصن أربعة أشهر، وأمر النساء أن تتربَّصن مدة الإقراء الذي ذكره الله في آيةٍ أخرى.
يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه سمع امرأةً تنشد شعراً وهي وحيدةٌ في البيت، فسأل ابنته حفصة رضي الله عنها: كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها؟ فقالت: أربعة أشهر، فقال عمر: لا أحبس أحداً من الجيوش أكثر من ذلك.
أحياناً تجد بلداً يحتاج إلى مهندس بلا زوجة، والإجازة بعد سنة، وهذا مخالف للشرع، ويرفضون أن يأتي مع زوجته، ويريدونه وحده بلا زوجة، وله زوجة، وهي بحاجة إليه، وهو بحاجة إليها، فهذا الذي يفعله بعض مَن يطالبون بموظفين بلا زوجاتهم، فإنّ ذلك يوقِع فساداً كبيراً، ولذلك أي شيءٍ يخالف منهج الله عز وجل ينشأ عنه فسادٌ وأي فساد.

من طُلِّقت طلاقاً رجعياً تتربص بنفسها ثلاثة قروء :

ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

طبعاً آيات الفقه تحتاج إلى دقَّة، وتحتاج إلى صبر، لأنها أحكام دقيقة جداً يُبْنَى عليها الشرع، وهذا أمر للمطلقات بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقد ينشأ خلاف بين الزوجين، والخلاف شيء طبيعي، الزوج في ساعة غضب، غضب طبيعي أيضاً، طلق امرأته، ولعل هذا الطلاق ظهر في وقت غضب، وفي حالة غضب، ولعله يندم بعد حين، ولعله يتمنَّى بعد حين لو لم يكن هذا الطلاق منه، واللهُ عز وجل خبيرٌ بهذا الإنسان، والمطلقة التي طُلِّقت طلاقاً رجعياً تتربص بنفسها ثلاثة قروء، والقرء هو الحيض أو الطهر على خلاف بين العلماء، فالمرأة تنتظر الحيضة الأولى فيمرُّ شهر، فإن كلَّمها ووضع يده على يدها، فقد أرجعها، وانتهى الأمر، ولكن حسبت طلقة.
تصور إنساناً في ساعة غضب حلف يميناً، وبعد يوم ضعف هذا الموضوع أو برد، وبعد يومين لم يبقَ شيء، فقد ندم على هذا اليمين، فبكل سهولة ويُسرٍ بإمكانه أن يسترجع زوجته، ويكفي أن يقول لها: راجعتك، أو أن يضع يده على يدها، وانتهى الأمر، فقد راجعها، ولكن حسبت طلقة، فالله عز وجل لما سمح لك بالطلاق، سمح لك بالطلاق الذي جاء به النبي وفق سنته عليه الصلاة والسلام، مثل أنْ يحلف المرءُ يمينَ طلاقٍ في ساعة غضب، ثم وجدَ بعد حين أن هذا الأمر لا يستدعي هذا اليمين، فالقضية محلولة، تراجعها لفظاً أو عملاً، وانتهى الأمر، ولكن حسبت طلقة.

عقد الزواج هو أقدس عقد وهذا هو الميثاق الغليظ :

عقد الزواج هو أقدس عقد
لو تصورنا أنه مضى شهرٌ لم يراجع فيه الزوجُ زوجتها المطلقة، فالقضية أكبر، فجاءها الدورة، القرء، ثم جاءها الطهر، فدخلت في مرحلة ثانية، أيْ شهر ثانٍ، وهي في بيته تتزين له، وتُعِدُّ له الطعام، وهي في البيت عنده، وتحت سمعه وبصره، وفي متناول يده، فلعل هذا اليمين كان ظالماً، ولعله كان في ساعة غضب، أو كان في ساعة طَيْش، أو كان مضغوطاً خارج المنزل، فالشرع حكيم، فمحافظة على هذه العلاقة المقدَّسة التي هي أقدس علاقة على الإطلاق، إذْ عقد الزواج هو أقدس عقد، وهذا هو الميثاق الغليظ، فمن أجل المحافظة عليه، وذلك أن الزواج وجد ليبقى ولم يوجد لينهار، فلها أن تتربَّص بنفسها شهراً آخر، لمجرد أن يراجعها قولاً أو عملاً، فأصبحت زوجته ولكن حُسِبَت طلقة، أعطاه أول فرصة أو أول قرء، أيْ شهراً، ثم حاضت وطهرت وبدأ القرء الثاني، أيْ شهر ثانٍ، ثم حاضت وطهرت وبدأ القرء الثالث، أيْ شهر ثالث، فعندما ينتهي القرء الثالث أو الطهر الثالث، وتأتي الدورة، وتمضي، وتتطهر هذه المرأة، ملكت نفسها، فقد أعطينا الزوج ثلاثة قروء، أو ثلاثة أطهار مع ثلاثِ حيضات، أي تسعين يوماً، فإذا كان الأمر لا يحتمل ولا يُقْبَل ولا يستساغ ولا يستمر في البعد عن زوجته هذه المدة!! أرأيت إلى حكمة الشرع، طلق تطليقة، وهذه التطليقة مع تسعين يوماً فرصة كي يراجعها ويستعديها، وتعود زوجته كما كانت، ولذلك قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً ﴾

[ سورة الطلاق: 2]

مَن يتق الله في تطليق زوجته يطلقها طلاقاً سنياً، يجعل الله له مخرجاً إلى استعادتها، وأغلب الظن أنّ الإنسان يحب زوجته، وأغلب الظن أنّه يطلِّق في ساعة غضب، وأغلب الظن أنّ الأمر الذي رآه كبيراً يتضاءل.
بالمناسبة، إذا كانت الزوجةُ في بيت الزوجية، فأكبر مشكلة بين الزوجين تتضاءل مع مرور الأيام، أما إذا خرجت من بيت زوجها، أو طردها زوجها، فأصغر مشكلة بين الزوجين تتفاقم، وقد تنتهي بالطلاق، وهذا معنى قوله تعالى:

﴿ تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ ﴾

[ سورة الطلاق: 1 ]

بعد مرور ثلاثة قروء لا يمكن للزوج أن يسترجع زوجته إلا بعقد ومهرٍ جديدين :

ما دامت الزوجة في البيت، فأكبر مشكلةٍ بينك وبينها تتضاءل حتى تنتهي، وأحياناً يمين طلاق ينتهي بعد يومين، أو بعد أسبوع، أو عشرة أيام، أو عشرين يوماً، أو شهرٍ، أو شهرين، هناك مهلةُ تسعين يوماً للزوج، ولعله أخطأ، لعله كان غاضباً، أو مبالغاً، أو أنّ هذا الأمر لا يستدعي هذا الطلاق، أعطاه الشرع تسعين يوماً، أما حينما تتطهَّر من الحيض الثالث فقد ملكت نفسها.
والآن كيف يرجعها؟ عملية بسيطة بمهرٍ وعقدٍ جديد، عقد بسيط جداً، لأنها ملكت نفسها، انتظرت تسعين يوماً، وكانت مع زوجها كل يوم معه، تحت سمعه وبصره، وفي متناول يده، وهي تتزيَّن له كل يوم، وهو بحاجة إليها، وهي بحاجة إليه، ومع ذلك لم يقاربها، ولم يراجعها، ملكت نفسها، فالآن، كي تسترجعها لا بد من عقدٍ ومهر جديدين، وبما أنّه لم يسترجعها، فقد ملكت الآن نفسها، وهي مخيرة.
بالمناسبة، في أثناء تسعين يوماً هي ليست مخيَّرة، ويكفي أن يقول لها: راجعتك، فقد رجعت إليه زوجةً، ويكفي أن يراجعها عملياً فقد رجعت إليه زوجة، أما حينما تمضي القروء الثلاثة، أو الأطهار الثلاثة، أو الحيضات الثلاث، وتغتسل، فقد ملكت نفسها، والآن لا يمكن أن يسترجعها إلا بعقد ومهرٍ جديدين.
ثم نشأ خلاف ثانٍ، فهذه طلقة أولى، استرجعها بعقد، حُسِبَت عليه طلقة، وفي الحالين سواء استرجعها أو لم يسترجعها، أما إذا استرجعها ضمن تسعين يوماً، استرجعها بلا مهر ولا عقد، وإذا استرجعها بعد تسعين يوماً استرجعها بمهر وعقد، فرجعت إليه، وطلقها مرة ثانية، ومضى ثلاثون يوماً، ثم ثلاثون يوماً، ثم ثلاثون يوماً، أي تسعون يوماً مرة ثانية، فما هذه القضية الكبيرة؟ إذا لم تكن القضية محتملة، ولا تقبل، ولا تستساغ أخرجته من جلده فلا يستمر الزواج، فانظر الضمانات بالشرع، إنها ضمانات مذهلة. فالطلاق حلٌّ لا يُلْجَأ إليه إلا في حالات نادرة جداً، لأن الله يرضى عن الزوجين إذا تعاونا، ويغضب عليهما إذا تفرَّقا، وهو أبغض الحلال إلى الله، فله صمَّام أمان هو الطلاق، وهو كالوعاء البخاري وكل وعاء بخاري لئلا ينفجر له صمام من مادة بلاستيكية، فإذا ارتفع الضغط إلى درجة غير محتملة، بدل أن ينفجر هذا الوعاء، فهذه المادة البلاستيكية تسيخ ويخرج البخار من هذا الوعاء دون أن ينفجر، وهذا هو الطلاق.

أنواع العِدَد :

قال تعالى:

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ﴾

إذاً بيدها أمانة، فلعل هناك حملاً تحرك في بطنها، فلها عدة خاصة..

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

الآن أنواع العِدَد: المدخول بهن من ذوات الأقراء، أي امرأة تحيض وقد دخل بها فعدّتُها ثلاثة قروء، أما غير المدخول بها فلا عدة عليها، لقوله تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ﴾

[ سورة الأحزاب: 49 ]


فالمرأة التي لم يدخل بها ليس لها عِدَّة، والمرأة التي دخل بها، ومن ذوات الأقراء؛ تحيض وتطهر، فعدتها ثلاثة قروء، وأما التي لم تحض بعد فعدّتُها ثلاثة أشهر، وإن كانت تحيض فعدّتها ثلاثة قروء، وإن لم يدخل بها فليس لها عدة.

الطلاق أمانة بيد الزوج وقضية ما خلق الله في أرحام النساء أمانة بيد النساء :

قال تعالى:

﴿ وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ ﴾

[ سورة الطلاق: 4 ]

التي لم تحض بعد، عدتها ثلاثة أشهر..

﴿وَاللائِي يَئِسْنَ مِنْ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنْ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾

[ سورة الطلاق: 4 ]

أما الحامل فعدتها وضع الحمل..

﴿ وَأُوْلاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ ﴾

[ سورة الطلاق: 4 ]

فهذه الآية عامةٌ، امرأة حامل عدتها أن تضع حملها، امرأة لم تحض بعد، أو يئست من المحيض، فعدتها ثلاثة أشهر، وامرأة دخل بها وهي تحيض، فعدتها ثلاثة قروء، وامرأة لم يدخل بها، فليس لها عدة.
أيها الأخوة؛ القُرء من ألفاظ الأضداد يطلق على الحيض والطهر معاً، فأية امرأةٍ لها أن تحسب على أساس الحيض أو على أساس الطهر معاً، قال:

﴿ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ ﴾

لقد خلق اللهُ في الرحم ولداً، فقطع الحيض، وصار هناك حمل، فينبغي لها أن تصرِّح بذلك وإلا فهي عند الله آثمة، فأحياناً تدَّعي أنها حامل لشيءٍ تريده، أو تدّعي أنها لا تزال في الحيض لعلّةٍ تريدها، فهذه مسؤوليتها، وهي وحدها محاسبةٌ عن ذلك، وقد ردَّ اللهُ عز وجل الأمرَ إليهنّ، وتوعَّدهنّ فيه ألاّ يخبرنَ إلا بالحق، فالطلاق أمانة بيد الزوج، وقضية ما خلق الله في أرحام النساء أمانة بيد النساء..

السُنة بينت متى تُضرَب الزوجة :

قال تعالى:

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾

أي بإرجاعهن، فهناك زوج يحب زوجته، وقد نشأ خلاف، فطلقها طلاقاً رجعياً، وهناك مَن يعترض، وهناك من يسهم في إحداث شرخ في هذه الأسرة، فالله عز وجل يقول:

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ ﴾

أحق بردهن أي بإرجاعهن، يقول تعالى:

﴿ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً﴾

الإنسان أحياناً يسترجع زوجته ليؤذيها، ويطلقها، فهي تحيض وتطهر، ويتركها تسعين يوماً، وقبل يوم يسترجعها، ثم يطلقها ثانيةً، ويمهلها تسعين يوماً، ثم يراجعها، فهي عملية مئة وثمانين يوماً، والقصد هو الإيذاء، فالزوج يسترجع زوجته إن أراد الخير، أما أن يجعل هذا من أجل إيذائها، فهذا محاسب عليه حساباً شديداً، يقول عليه الصلاة والسلام:

(( اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))

[أبو داود عن جابر في حديث حجة الوداع]

يقول بعضُهم: الله أمر بضرب النساء، مَن قال لك ذلك؟ قال تعالى:

﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾

[ سورة النساء: 34 ]

جاءت السُنة فبينت متى تضربها؟ أي إن أدخلت على بيتك رجلاً تكرهه، رجلاً أجنبياً، هذا عمل كبير جداً، فأنت بين أن تضربها وتؤدبها وأن تبقيها زوجةً، وبين أن تطلقها، وقد تنحرف، فأيهما أفضل لها أن تؤدبها وأن تبقيها زوجة، أو أن تسرحها فتنحرف؟ جاءت السنة فبينت متى تُضْرَب المرأة.

((... وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ فَإِنْ فَعَلْنَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرِّحٍ وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ))

[أبو داود عن جابر في حديث حجة الوداع]

حق الزوجة على زوجها :

في آية أخرى يقول الله عز وجل:

﴿ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا﴾

[ سورة البقرة: 231 ]

وأحياناً يراجع الإنسانُ زوجتَه لا حبّاً بها، ولا تنفيذاً لأمر الله، ولكن ليؤذيها، فقد بلغه أن هناك إنساناً لو أنه طلقها لتزوجها، فصار يراجعها ويغيظها ويؤذيها، وهذا الذي لا يريده الله عز وجل.
عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ زَوْجَةِ أَحَدِنَا عَلَيْهِ؟ قَالَ:

((أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ، قَالَ أَبُو دَاوُد: وَلَا تُقَبِّحْ أَنْ تَقُولَ قَبَّحَكِ اللَّهُ))

[أبو داود عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ ]

هذا حق الزوجة على زوجها.
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

(( لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنَ فِي بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إِلَيْهِ شَطْرُهُ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

فهذه قواعد عامة في تنظيم العلاقة بين الزوجين.

أمثلة من الكتاب والسُّنة تبين ضوابط العلاقة بين الزوجين :

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ:

((كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ الْإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، قَالَ: وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ))

[البخاري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ]

من واجب المرأة أن تتزين لزوجها
ثم يقول عليه الصلاة و السلام:

((إِذَا الرَّجُلُ دَعَا زَوْجَتَهُ لِحَاجَتِهِ فَلْتَأْتِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى التَّنُّورِ))

[الترمذي عن طلق بن عليّ ]

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

((إِذَا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ إِلَى فِرَاشِهِ فَأَبَتْ فَبَاتَ غَضْبَانَ عَلَيْهَا لَعَنَتْهَا الْمَلَائِكَةُ حَتَّى تُصْبِحَ ))

[ متفق عليه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ]

وعن ابن عباسٍ رضي الله عنه قال:

((إني أحب أن أتزيَّن لامرأتي كما تحب أن تتزين لي))

[الجامع لأحكام القرآن عن ابن عباسٍ رضي الله عنه ]

لأن الله عز وجل يقول:

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

وهذه ضوابط العلاقة بين الزوجين وردت في هذه الآية.

المعروف هو ما قبله العقل ووافق كرم النفس وأقرَّه الشرع :

الآن ما هو المعروف؟ الآية الكريمة وهي دقيقة جداً:

﴿ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحاً وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾

ما هو المعروف؟ المعروف ما عرفته الطباع السليمة ولم تنكره، أو ما قبله العقل ووافق كرم النفس وأقرَّه الشرع.
لكن كيف تنسَّق العلاقة بين الزوجين؟ هناك مَن يدعي أن الزوجة ليست مطالبة بخدمة زوجها، فهذا كلام لا أصل له، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى على ابنته فاطمة بخدمة البيت، ولو لم يكن هذا صحيحاً لما فعل ذلك، فالزوج يعمل خارج البيت، وعليها أن تطبخ، وأن تنظف، وأن تربي الأولاد، وأن ترضع، ولهذا بحث طويل قد عالجته مرة في خطبة، لأن هناك مَن يدعي أن للرجل أن يستمتع بزوجته فقط، فهذا الذي عليها، وما سوى ذلك ليست مكلفةً به، بل إن بعضهم بالغ في ذلك وقال: ليس عليها إرضاع أولادها، عليه أن يأتي بمرضع!! هذا طفل يموت من الجوع، وأمه ليست مكلفةً أن ترضعه، فهذا كلام غير مقبول إطلاقاً، إلا إذا أنت خطبت ابنة ملك، وهي مخدومة في قصر أبيها، فيجب أن تأتي لها بمن يخدمها، وهذه حالة نادرة جداً، فمن دخل مثل هذا المدخل فليهيِّئ نفسه لذلك، وما سوى ذلك فأنت غير مكلف إلا أن تعاملها بالمعروف كما هو معروف بين الناس، فكل الزوجات يطبخن، وينظفن، ويغسلن، ويربين أولادهن، ويرضعن، وهذا هو المعروف، لأنّ الطباع تقبله، والعقول تقبله، والشرع يؤكده.
أنا أستغرب كيف أن هناك مَن يخطب، ويقول العكس، ليس لها لا أن تخدم، ولا أن تطبخ، ولا أن تنظف، ولا أن ترضع، لأن عقد الزواج قضية استمتاع فقط، فهذا كلام لا يقبله العقل السليم، ولا الفِطَر السليمة، ولا الشرع، ولا فعل النبي عليه الصلاة والسلام، إذ قضى على ابنته فاطمة، وهي فلذة كبده، أن تخدم سيدنا علياً في البيت، قال العلماء: على أن المرأة عليها أن تخدم زوجها، أما إذا كانت مِمَّن تُخدَم، فينبغي لها أن تأتي لها بمن يخدمها، وهذه قاعدة.

الرجل قوام على المرأة بدرجة واحدة وهي درجة القيادة :

ثم يقول الله عز وجل:

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

درجة واحدة..

﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

وهذه درجة القيادة، فلا بد لهذه المؤسسة من قائد، ولا بد لهذه الأسرة من رجل صاحب قرار، إذ يوجد في كل مكان بالعالم، وبكل مجتمع، وبكل مؤسسة، وبكل مستشفى، وبكل مدرسة، وبكل معمل، إنسانٌ صاحب قرار يقول: نعم أو لا، وهذا البيت لا ينجح إلا بقائد، وهذا القائد صاحب قرار، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾

أي زيادة، فأحياناً يكون ضابطان كبيران في ثَكنة، فلا بد أن يكون أحدهما قائداً آمراً للثاني، ولو كان الفرق أياماً بالتخرج، يقول لك: إنه متقدم، وهكذا في البيت لا بد من صاحب قرار إنه الزوج، طبعاً قال الله عز وجل:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة النساء: 34 ]

متى تملكُ القوامة على زوجتك؟ إن كنت أعلم منها، وإن كنت أفضل منها، وأكثر منها تديناً، وأكرم منها أخلاقاً، وتنفق عليها طبعاً، أما إذا كنت تعيش على معاشها، وأخلاقك شرسة جداً أمام أخلاقها، فلها القوامة، وهذا معنى قول الله عز وجل:

﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾

[ سورة النساء: 34 ]

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:

((لَوْ كُنْتُ آمِراً أَحَداً أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا ))

[ حديثٌ صحيحٌ حسن رواه الترمذي عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ]

وفي رواية :

((لَا يَصْلُحُ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ، وَلَوْ صَلَحَ لِبَشَرٍ أَنْ يَسْجُدَ لِبَشَرٍ لَأَمَرْتُ الْمَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ عَلَيْهَا، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ مِنْ قَدَمِهِ إِلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ قُرْحَةً تَنْبَجِسُ بِالْقَيْحِ وَالصَّدِيدِ ثُمَّ اسْتَقْبَلَتْهُ فَلَحَسَتْهُ مَا أَدَّتْ حَقَّهُ))

[رواه أحمد عَنْ عَمِّهِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ]

الحكمة من تحريم استعادة الزوجة إلا بعد أن تتزوَّج زواجاً حقيقياً طبيعياً على التأبيد :

أيها الأخوة؛ قال الله عز وجل بعد ذلك:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾

أي ليس لك أن تعيدها كل مرة، إذ المسموح لك مرة تسعين يوماً، ولك أن تراجعها في هذه الأيام التسعين، وإن مضت فلك أن تعقد عليها عقداً جديداً، الطلاق مرتان؛ أما الثالثة فطلاق بائنٌ بينونة كبرى، وانتهت، وملكت نفسها، ولن تستطيع أن تستعيدها إلا أن تتزوَّج زواجاً حقيقياً طبيعياً على التأبيد، ثم يطلقها زوجها، فما حكمة ذلك؟
إنسان أساء إلى زوجته، فطلقها التطليقة الأولى، ولم يراجعها، ومضت الأيام التسعون، ثم طلقها ثانية، وأساء إليها ولم يراجعها، ومضت التسعون الثانية، فالآن انتبه إن كنت تحبها، وإن كانت مصلحتك تنعقد معها، إن طلَّقتها مرة ثالثة، فلن تستطيع أن تراها ثانية إلا في حالة تعجيزية، أيْ أن يأتيها خاطب فيخطبها على أنها زوجة على التأبيد، إنه زواج طبيعي على التأبيد، ثم يطلقها، فإن طلقها فلزوجها الأول أن يستعيدها، فما الذي يحصل؟
إن كانت هي المسيئة، فأغلب الظن أنّ الزوج الثاني سوف يطلِّقها، لأن العلة نفسها، وعندئذٍ تدرك أنها هي السبب، لعلها إن رجعت إلى زوجها الأول أنْ تغيِّر من خطتها، وإن كان الزوج الأول هو المسيء، وتزوجها الثاني فلا يمكن أن يطلقها، وهذا فعلاً حلٌّ حاسم، فتستقرّ عنده، وإذا كانت العلَّة منها، وهي المسيئة، فالزوج الثاني سوف يطلقها، وعندئذٍ تراجع نفسها وتعلم أنها هي الآثمة وقد تعود إلى زوجها الأول، أمَّا ما يجري فهو مخالف للشرع، قلت لكم: زواج حقيقي، مع الدخول، ومع نية التأبيد، وهذا هو الشرع، وما سوى ذلك انحرافٌ بالدين.

لعن الله الزوج الذي يدخل بالمرأة ليلةً واحدة كي يحللها لزوجها :

الزوج الذي يدخل بالمرأة ليلةً واحدة كي يحللها لزوجها، قال عليه الصلاة والسلام:

(( لَعَنَ اللَّهُ الْمُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ ))

[أبو داود عن عليِّ]

فدخولٌ ليومٍ واحدٍ منْ أجل تحليلِها هذا عمل من أعظم الآثام والدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام لعنه، إنه زواجُ إغلاق باب دون دخول، لا يصح، بل يجب أن يدخل بها، وهذا الزوج الشرس يجب أن يعلم أنه لن يستعيدها إلا إذا التقى بها رجل، أفلا يغار؟!! لقد جاءها زوجٌ آخر، فلذلك هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً ما يسميه الناس (التيس المستعار) لليلةٍ واحدة، فهذا تزويرٌ في الدين والدين منه بريء، والمطلوب زواجٌ آخر عادي، طبيعي، مبني على رغبة أبدية، نِية التأبيد منعقدة، لو أنه طلقها يستعيدها الزوج الأول، أي:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ﴾

وبعدها:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ﴾

زوجة، يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس، ولا يحتقرها، ولا يضربها، ولا يهينها، ولا يحرمها ما تشتهي، إنها زوجة عادية.

الطلاق يجب أن يكون من دون فضائح ومن دون كشف للعيوب :

قال تعالى:

﴿ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

بربكم هل وجدتم طلاقاً بين المسلمين إلا ومعه فضائح؟! والله عز وجل يقول:

﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

طلَّقها، فما السبب؟ والله لا يوجد تفاهم بل تنافر طباع، والله هي ممتازة، ولكني أريد شيئاً آخر، أما ألاّ يبقي عليها ستراً مغطًّى، بعيوبها الجسدية، نفَّر الناس منها، وفضحها، فهذا مجرم. ما معنى قول الله عز وجل:

﴿ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

تطلِّقها فقط، من دون فضائح، ومن دون أن تكشف كل عيوبها للناس، فما قولك بإنسان يختلق عيوباً ليست موجودة؟!! والله هناك من يفعل ذلك، يتَّهمها بأشياء لم تقع إطلاقاً، يشوِّه سمعتها بين الناس، هذا سوف ينتقم ربُّنا عز وجل منه أشدَّ الانتقام.
وقد سمعت قصة رجلٍ تزوج امرأة على جانب من الجمال، وهي ملتزمة التزاماً شديداً بالدين والأخلاق، ولها أب ربَّاها تربية عالية، ولكنه أرادها نموذجاً آخر؛ يريدها أنْ تختلط مع أصدقائه، وأنْ تذهب إلى الملاهي، وإلى الفنادق، وإلى البحر، وهذا نمطه، فرفضت، ثم رفضت، ثم رفضت، ومهرها غالٍ جداً، فدبَّرت أمُّه مكيدةً كي تجعلها تطلب الخُلع من دون شيء، فأمرته أن يسيء معاملتها، وأن يأتي بعد منتصف الليل كل يوم، وأن يضربها، ويشتمها، ويُجيعها، ويهين أهلها، ومارس معها هذا العمل أشهراً عديدة، ولها مهر كبير جداً، حتى طلبت هي الخلع، دون أن تأخذ شيئاً، وهذا الذي كان. بعد حين تزوج فتاة أخرى تروق له وتقبل نمطه في الحياة، وأصبح يتندَّر بخلاصه مِن مهر الأولى، فكلما وقع في أزمة ونجاه الله منها يقول: نجونا كما نجونا من مهر فلانة، ومرة من المرات وهو يقود سيارته، وزوجته الجديدة على اليمين، وأمه خلفه، وأبوه خلف زوجته الجديدة، أربع ركاب في السيارة وقع حادث مروّع، مات فوراً وماتت أمه معه، ونجا أبوه الذي كان ينكر على زوجته ما تفعله مع زوجة ابنها، فالله عز وجل حينما يبطش يكون بطشُه شديداً، فالشيء الذي يهتز له عرش الرحمن أن تظلم امرأة ضعيفة، وأن تتهمها بشيء هي بريئة منه، أو أن تحمِّلها ما لا تطيق، أو أن تسيء معاملتها، أو تبتزَّ مالها، وهذا شيء له ثمن باهظ عند الله عز وجل..

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ﴾

الآية التالية أصلٌ في الخلع :

الآن قدَّمت لها حليّاً ومهراً وتطلقها، فهي تستحق المهر المعجل والمقدم والحلي..

﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾

إنها لا تحبه، ويمكن أن تنحرف إذا بقيت عنده، فافتدت نفسها منه بمهرها، وقالت له: أسامحك بالمهر على أن تطلقني، وهذا هو الخلع، وهذه الآية أصلٌ في الخلع..

﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

((عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتِبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ ـ أي أخلاقه عالية، ودينه جيد ـ وَلَكِنِّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً))

[رواه البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ]

الزواج لا ينعقد إلا إذا وافقت الزوجة وهذا من تقدير الدين للمرأة، والنبي عليه الصلاة والسلام حينما خطَّب ابنته استأذنها: ألكِ اعتراض؟ وأي أبٍ يجبر ابنته على الزواج من إنسان لا تحبه يخالف الشرع بهذا.
هذا هو الخلع، أي إذا رفضت الزوجةُ زوجَها لعلّة فيه، وقد تَكلَّف، ودفع مهراً، فله أن يسترد كل شيء، فالمخالعة أنْ تفتدي المرأة نفسها من زوجها بمهرها كله أو بعضه..

لا ينعقد الزواج إلا بموافقة الأب والبنت معاً وهذا هو شرع الله عز وجل :

إذاً يقول الله عز وجل:

﴿ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آَتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾

أيها الأخوة، الفتاة لها طموح، كما لو كان هناك صندوق وله مفتاحان، ولا يفتح إلا بالمفتاحين معاً، وعقد الزواج يحتاج إلى موافقتين؛ موافقة الأب لأنه خبير بالرجال؛ إذ يعلم أخلاقهم, ويعلم انحرافهم، والأب هو الضمانة، وقد أعجبه الخاطب، ولكن شكله لا يرضي الفتاة، فيجب أن توافق هي، ولا ينعقد الزواج الا بموافقة الاب والبنت معا
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS