74361
خطبة الجمعة - الخطبة 1195 - ألقيت في أستراليا (15-25): خ 1- أعراض الإعراض عن الله عز وجل، خ2- توجيه النبي في ذبح الدابة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2012-01-20
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الاولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.
 أعراض الإعراض عن الله عز وجل :

1 ـ الإيمان الذي لا يحمل على طاعة الله إيمان لا ينجي :

 أيها الأخوة الكرام، المشكلات التي يعاني منها المسلمون لا تعد ولا تحصى، ولكن الحقيقة الدقيقة أن كل هذه المشكلات هي أعراض لمرض واحد هو الإعراض عن الله، إذاً مشكلاتنا هي أعراض الإعراض، لذلك سوف أتحدث عن بنود عديدة هي سبب مشكلاتنا، هذه المشكلات سببها الإعراض أي ضعف الإيمان، ما مظاهر ضعف الإيمان؟ ضعف الإيمان أخطر مرض لأن وراءه كل مشكلاتنا الأسرية و الاقتصادية، لذلك محور هذا اللقاء الطيب في هذه الخطبة المباركة أعراض الإعراض عن الله عز وجل، أولاً الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله ليس إيماناً كافياً، هناك إيمان لا ينجي، إبليس اللعين:

﴿ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ ﴾

[ سورة ص: 82 ]

 آمن به رباً، وآمن به عزيزاً، وقال:

﴿ فأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾

[ سورة ص: 79 ]

 ومع ذلك هو إبليس، ما كل إيمان ينجي، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله لا يعد منجياً، لذلك أنا أنطلق في هذا اللقاء الطيب من أن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، فالإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله، على أن تستقيم على أمره، على أن تجعل دخلك حلالاً، على أن تربي أولادك وفق منهج الله، على أن تختار زوجة صالحة، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله إيمان لا ينجي، لئلا تقع في الوهم لأن الحقيقة المرة أفضل ألف مرة من الوهم المريح، الدعاء: نعوذ بك من الجهل والوهم، ونعوذ بك من وحول الشهوات، بل أخرجنا يا رب من وحول الشهوات إلى جنات القربات.

من لم يشعر برحمة في قلبه يرحم بها الضعيف فهناك ضعف في إيمانه :

 الرحمة بالضعيف
الآن إن لم تشعر بقلبك برحمة ترحم بها الضعيف فهناك ضعف في إيمانك، يقول أحدهم: أنا أرحم أولادي، محبة الأولاد، والحرص على سلامتهم، وتحصيلهم، وسعادتهم، فطرة أودعها الله فيك، ولكنها رحمة عامة، هل ترحم الآخرين؟ رحمتك بمن يلوذ بك شيء أودع بك فطري، الدليل ادخل إلى مشفى أطفال الأم الملتزمة، والمتفلتة، والمستقيمة، والمنحرفة تبكي، ولكنها رحمة عامة، لذلك قال تعالى:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 أي يا محمد بسبب رحمة استقرت في قلبك من خلال اتصالك بنا كنت ليناً معهم، فلما كنت ليناً معهم التفوا حولك، ولو كنت منقطعاً عنا لامتلأ القلب قسوة، معادلة رياضية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

 تتصل بالله يمتلئ القلب رحمة، تنعكس الرحمة ليناً، هذا اللين يجعل الناس يلتفون حولك، هذه الآية يحتاجها الأب والأم والمعلم والمرشد، وأي منصب قيادي في الأرض يحتاج إلى هذه الآية:

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران: 159 ]

قانون الالتفاف و الانفضاض :

 بالقسوة ينفض الناس عنك
لو كان الإنسان منقطعاً عن الله لامتلأ القلب قسوة، وانعكست القسوة غلظة، وفظاظة، فينفض الناس من حولك، هذه الآية تنطوي على قانون الالتفاف والانفضاض، أنت كأب تتمنى أن يلتف أبناؤك من حولك، كمعلم تتمنى أن يلتف طلابك من حولك، أنت كداعية تتمنى أن يلتف الموجودون من حولك، كيف يلتفون؟

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ ﴾

[ سورة آل عمران الآية : 159 ]

 الانقطاع عن الله عز وجل يورث غلظة وفظاظة، عندئذ ينفض الناس من حولك، إذاً بقدر رحمتنا تكون مكانتنا عند الله عز وجل:

﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾

[ سورة الزمر: 22 ]

2 ـ قسوة القلب :

 أحد أسباب ضعف الإيمان قسوة القلب، الإيمان الذي لا يحملك على طاعة الله إيمان لا ينجي، وقسوة القلب حجاب بينك وبين الله.

3 ـ عدم إتقان العبادات :

 اتقان العبادات علامة القرب
أيها الأخوة، وقال بعض العلماء: عدم إتقان العبادات، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾

[سورة الحج:32]

 إتقان العبادات علامة القرب، إتقان العبادات علامة الحب، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعرفه ثم لا تحبه، و مستحيل وألف ألف مستحيل أن تحبه ثم لا تطيعه.

تعصي الإله وأنت تظهر حب ه ذاك لعمري في المقال شنيع
لو كان حبك صادقاً لأطـعته  إن المحب لـمن يحب يطيع
* * *

 أيها الأخوة الكرام، مرة ثانية أضع بين أيديكم مقاييس الإيمان المنجي، أما الإيمان الذي يتوهم صاحبه أنه منج ولا يحملك على طاعة الله، ولا يملأ قلبك رحمة فهذا إيمان غير منج.

4 ـ التكاسل :

 أيها الأخوة، أنت حينما تتكاسل على أداء الطاعات، تتكاسل في صلة الرحم، تكاسل في إنفاق مالك، تتكاسل في طلب العلم، أنت حينما تتكاسل في تنفيذ الأوامر والطاعات، هذا التكاسل أحد أسباب ضعف الإيمان، وأحد أسباب المشكلات التي يعاني منها المسلمين، الإنسان يسأل زوجته هل كتب الأولاد وظائفهم؟ تقول له: نعم، هل تناولوا طعام العشاء؟ تقول له: نعم، لكن قلّما يسأل أب أهله عن صلاة أولاده هل صلوا العشاء؟ أنت حينما تهتم بصحتهم وبتحصيلهم شأنك كشأن أي إنسان، أما حينما تهتم بدينهم فقد ربحت.
 لذلك أيها الأخوة الكرام، والحقيقة مؤلمة جداً لو بلغت أعلى منصب في الأرض، ولو جمعت أكبر ثروة في الأرض، ولو ارتقيت لأعلى منصب في الأرض، ولم يكن ابنك كما تتمنى فأنت أشقى الناس، وهذه المشكلة مشكلة كبيرة في بلادنا، لكنها أكبر مليون مرة في بلاد الغرب، لماذا؟ لأن الصوارف عن الدين لا تعد ولا تحصى، ولأن العقبات أمام الدين لا تعد ولا تحصى، بل من كثرة الصوارف والعقبات يكون الأجر على قدر المشقة.

5 ـ ضيق الصدر :

 أيها الأخوة، علامة ضعف الإيمان ضيق الصدر، قال تعالى:

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى ﴾

[ سورة طه: 124 ]

 أنا أقول لك هذه الكلمة وأرجو أن أكون على صواب: إن لم تقل أنا أسعد الناس في الأرض إلا أن يكون أحد أتقى مني فهناك خلل في إيمانك، والله مرة أحد الأخوة أدى فريضة الحج ولما عاد زرته مهنئاً فقال لي: والله ما على وجه الأرض من هو أسعد مني إلا أن يكون أتقى مني، أنت مع الله.

فلو شاهدت عيناك من حسننا الــذي رأوه  لما وليت عنا لــــــغيرنا
ولو سمعت أذناك حســــن خطابنا  خــلعت عنك ثياب الـعجب وجئتنا
ولو ذقت من طعم المــــحبة ذرة  عذرت الـــذي أضحى قتيلاً بحبنا
ولــــو نسمت من قربنا لك نسمة  لـــمت غريباً واشتياقــاً لقربنا
ولو لاح من أنوارنــــا لـك لائحٌ  تركــت جميع الكـائنات لأجلنــا
***

حقائق الإيمان و حلاوة الإيمان :

 لذلك أن تذوق طعم الإيمان أو أن تذوق حلاوة الإيمان، فرق كبير بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان، هذا الفرق كما هو بين ورق عليه خارطة قصر و بين قصر حقيقي، على الورق الغرفة ثمانية أمتار بستة أمتار، و هناك حديقة له إطلالة، كله ورق، وأنت لا يوجد عندك كوخ، أما حلاوة الإيمان فأن تسكن هذا القصر، مسافة كبيرة جداً بين حقائق الإيمان وبين حلاوة الإيمان، أن تقتني صورة مركبة فارهة صنعت في أحدث عام هذه الصورة شيء وأن تمتلك مركبة شيء آخر، فلذلك الذي يدفعك إلى التضحية حلاوة الإيمان، الذي يدفعك إلى أن تؤثر طاعة الله على طاعة أي إنسان حلاوة الإيمان، الذي يدفعك أن تبكي في الصلاة حلاوة الإيمان، الذي يدفعك أن تبذل الغالي والرخيص والنفس والنفيس حلاوة الإيمان، وقد وردت في السنة:

(( ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ))

[ من صحيح مسلم عن عبد المطلب ]

((ثلاثٌ من كُنَّ فيه وجدَ بهنَّ طَعْمَ الإيمان))

[ متفق عليه عن أنس]

 حلاوة الإيمان شيء وحقائق الإيمان شيء آخر.

(( ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ : أَنْ يَكُونَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لِلَّهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ ))

[ متفق عليه عن أنس بن مالك ]

 أن يكون الله في قرآنه ورسوله في سنته أحب إليه مما سواهما، متى؟ عند التعارض، أنت مستورد وهناك بضاعة محرمة، الشركة ألزمتك أن تكون هذه البضاعة ضمن المستوردات، فأنت من أجل الربح الكبير وافقت، أما حينما تركل هذا الشراء بقدمك وتظهر طاعة الله عز وجل، فتكون قد دفعت ثمن حلاوة الإيمان، حينما تؤثر طاعة الله على مصالحك المتوهمة تكون قد ذقت حلاوة الإيمان.

من ذكره الله عز وجل منحه صفات رائعة جداً :

 أيها الأخوة، أنت حينما تقرأ القرآن الكريم، أو حينما تصلي، أو حينما تذكر الله ولا تشعر بشيء فاعلم أنه لا قلب لك، هناك مؤشرات، الصلاة فرضها الله علينا في قوله تعالى:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء َالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾

]

سورة العنكبوت: 45 ]

 قال علماء التفسير: ذكر الله أكبر ما فيها، لكن الإمام ابن عباس الصحابي الجليل قال: "ذكر الله لك أيها المصلي وأنت في الصلاة أكبر من ذكرك له"، بمعنى أن الله إذا ذكرك منحك الرضا، إذا ذكرك منحك الحكمة، إذا ذكرك منحك الإنصاف، إذا ذكرك منحك السكينة، تسعد بها وإن فقدت كل شيء، وتشقى بفقدها ولو ملكت كل شيء، أنت حينما تصلي تذكر الله والله يذكرك، لذلك:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي ﴾

[ سورة طه:14]

 إذا ذكرك الله عز وجل منحك صفات رائعة جداً وهذا معنى ما جاء في الأثر:" إنّ بيوتي في الأرض المساجد ، وإن زوّارها هم عمّارها ، فطُوبى لِعَبْد تطهّر في بيته ثمّ زارني، وحُقّ على المزور أن يُكْرم الزائر".

6 ـ الغفلة عن ذكر الله :

 أيها الأخوة، الغفلة عن ذكر الله من علامات ضعف الإيمان، قال تعالى:

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء:142 ]

 الآية الكريمة:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾

[ سورة الأحزاب: 41 ]

 إذاً الأمر هنا لا ينصب على الذكر، لذلك المنافقون:

﴿ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[ سورة النساء:142 ]

 هناك نفاق اعتقادي ونفاق سلوكي.

7 ـ عدم الغضب إذا انتهكت حرمات الله :

 أيها الأخوة، ومن علامات ضعف الإيمان ألا تغضب إذا انتهكت حرمات الله، أب يمشي مع ابنته بثياب تظهر كل مفاتنها ولا يتأثر، امرأته تقف على الشرفة وتنشر الغسيل بثياب شفافة ولا يتأثر، هذا الذي لا يتأثر بحرمات الله إذا انتهكت مشكلته مع الله كبيرة جداً، المؤمن يغضب ويتألم إذا انتهكت حرمات الله عز وجل.
 أيها الأخوة، ورد في بعض الأحاديث:

(( ...تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، ... ))

[متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

 فتن، المرأة فتنة، والفتن لا تعد ولا تحصى:

(( ...تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا، فَأَيُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ، وَأَيُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ، حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ، عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلَا تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ ... ))

[متفق عليه عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ]

البشر فريقان لا ثالث لهما :

 بالنهاية البشر على اختلاف مللهم، ونحلهم، وانتماءاتهم، وأعراقهم، وأنسابهم، الناس على ذلك ينقسمون إلى قسمين لا ثالث لهما، الفريق الأول عرف الله، فانضبط بمنهجه، وأحسن إلى خلقه، فسلم وسعد في الدنيا والآخرة، الفريق الثاني غفل عن الله، وتفلت من منهجه، فشقي وهلك في الدنيا والآخرة، ولن تجد فريقاً ثالثاً أبداً.
 في النهاية قلب طاهر وقلب ليس بطاهر، إنسان قريب وإنسان بعيد، إنسان موفق وإنسان غير موفق، أي مسافة كبيرة جداً بين المؤمن وغير المؤمن، والدليل هذا الذي ينهى عبداً إذا صلى، انظر إلى سلوكه، إلى حياته الزوجية، إلى دخله، إلى إنفاق ماله، إلى لقاءاته:

﴿ أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى ﴾

[ سورة العلق: 11]

 إنسان آخر علم، حلم، أدب، تواضع، صدق، أمانة، لذلك سيدنا جعفر رضي الله عنه حينما سأله النجاشي عن الإسلام، فقال:

(( أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه، ... ))

[أخرجه ابن خزيمة عن عفر بن أبي طالب ]

 إن حدثك فهو صادق، إن عاملك فهو أمين، إن استثيرت شهوته فهو عفيف:

(( ... نعرف نسبه، وصدقه، وأمانته، وعفافه.... ))

[أخرجه ابن خزيمة عن عفر بن أبي طالب ]

 هذه العبادة التعاملية والعبادات الشعائرية لا تقبل ولا تصح إلا إذا صحت العباداتُ التعاملية، الدليل:

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا لم يعبأ الله بشيءٍ من عمله.
 أيها الأخوة، الآن ورد في بعض الأحاديث إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها، يكفي أن تقول: فلان شاطر، جمع أموالاً طائلة من طريق حرام، أنت بهذا شريكه في الإثم لذلك ورد:

(( الذنب شؤم على غير صاحبه، إن ذكره فقد اغتابه، وإن عيره ابتلي به، وإن أقره شاركه بالإثم ))

[ كنز العمال عن أنس ]

 مشكلة كبيرة فأنت بحاجة إلى أن تتفقه في الدين.

8 ـ حب المظاهر :

 أيها الأخوة الكرام، شيء آخر الآن حب المظاهر يقول النبي عليه الصلاة والسلام:

((إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست الفاطمة))

[ البخاري عن أبي هريرة]

 قال له: ماذا تفعل؟ سيدنا عمر كان يقول: "والله لو تعثرت بغلة في العراق لحاسبني الله عنها، لمَ لمْ تصلح لها الطريق يا عمر؟".
 سأل سيدنا عمر أحد الولاة : "ماذا تفعل إذا جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال للوالي: إذاً إن جاءني من رعيتك من هو جائع أو عاطل فسأقطع يدك، إن الله قد استخلفنا عن خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر له حرفتهم، فإن وفرنا لهم ذلك تقاضيناهم شكرها، إن هذه الأيدي خلقت لتعمل، فإن لم تجد في الطاعة عملاً التمست في المعصية أعمالاً، فاشغلها بالطاعة قبل أن تشغلك بالمعصية".
 لذلك سيدنا عمر جاءه ملك الغساسنة جبلة بن الأيهم، في أثناء طوافه حول الكعبة داس بدويٌّ من فزارة طرف ردائه، فانخلع رداؤه عن كتفه، فالتفت إلى هذا الأعرابي من فزارة، و ضربه ضربة هشمت أنفه، هذا الأعرابي ليس له إلا عمر يشتكي إليه، فذهب إليه، واشتكاه، سيدنا عمر جاء بهذا الملك جبلة، وقف أمامه نداً لند، وقال له: أصحيح ما ادعى هذا الفزاري الجريح ؟
 فقال جبلة: لست ممن ينكر شياً، أنا أدبت الفتى، أدركت حقي بيدي.
 فقال عمر: أرضِ الفتى، لابد من إرضائه، مازال ظفرك عالقاً بدمائه، أو يهشمن الآن أنفك و تنال ما فعلته كفك، صعق جبلة.
 قال: كيف ذلك يا أمير؟ هو سوقة وأنا عرش وتاج، كيف ترضى أن يخر النجم أرضاً؟
 قال عمر: نزوات الجاهلية، ورياح العنجهية قد دفناها، أقمنا فوقها صرحاً جديداً، وتساوى الناس أحراراً لدينا وعبيداً.
 فقال جبلة: كان وهماً ما جرى خلدي أنني عندك أقوى و أعز، أنا مرتد إذا أكرهتني.
 فقال عمر: عنق المرتد بالسيف تحز، عالم نبنيه، كل صدع فيه يداوى، وأعز الناس بالعبد بالصعلوك تساوى، هذا عصر مبادئ.
 هذا الإسلام أيها الأخوة.

9 ـ الشح و البخل :

 الشح والبخل أحد مظاهر ضعف الإيمان.

10 ـ النفاق الاعتقادي والنفاق العملي :

 الشيء الآخر: النفاق الاعتقادي والنفاق العملي أحد مظاهر ضعف الإيمان، النفاق الاعتقادي أن تقول شيئاً لا تعتقده، والنفاق العملي أن تفعل شيئاً لا تريده.
 أيها الأخوة الكرام، أرجو الله عز وجل أن ننتفع بهذه الحقائق، أحد الأشياء التي يصنف بها الإنسان مع المنافقين أن يفرح بمصيبة نزلت بالمؤمنين والدليل:

﴿ إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ﴾

[سورة التوبة : 50 ]

 لمجرد أن تفرح بمصيبة أصابت مؤمناً فأنت مع المنافقين:

﴿ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا ﴾

[ سورة آل عمران: 120]

 هذا الآخر أخوك في الله، نال درجة علمية عالية، علامة إيمانك أن تفرح، أصابته مصيبة علامة إيمانك أن تتألم لهذه المصيبة، والذي لا يعنيه حال المسلمين ما دام دخله كبير، ويعيش في بلاد فيها أمن وسلام، ولا يعنيه ما يجري في العالم الآخر، فهذا ليس مسلماً، أما الذي يتألم بما يصيب المسلمين فهذه علامة الإيمان.

طلب العلم واجب على كل إنسان :

 أيها الأخوة، من الأحاديث الشريفة:

(( إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس...))

[متفق عليه عن النعمان بن البشير]

﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾

[ سورة النحل: 43 ]

 لا تعلم اسأل، لا يوجد إنسان متخصص تدخل إلى مكتبه إلا مقابل مبلغ، إلا رجل الدين لوجه الله، اسأل أي سؤال، اطلب أي نصيحة، اطلب أي معلومة، يقدم لك مجاناً، هذا من نعم الله عليك:

((إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه،...))

[متفق عليه عن النعمان بن البشير]

 ببساطة مبلغ أعطيك عليه كل شهر مبلغاً، قرض حسن، لمجرد أن تأخذ مبلغاً شهرياً على هذا القرض هذا ربا، بل هو أشد أنواع الربا، أو استثمر لي هذا المال هذا ربا إذا كنت تعطيه ربحاً ثابتاً، هناك أشياء كثيرة جداً، من دخل السوق من غير فقهٍ أكل الربا شاء أم أبى، أحكام البيوع، أحكام الجعالة دقيقة جداً، فلذلك لا بد من طلب العلم.

11 ـ عدم الاكتراث بالذنب :

 شيء آخر: العمل الصغير عند الله كبير

(( لَأَعْلَمَنَّ أَقْوَامًا مِنْ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحَسَنَاتٍ أَمْثَالِ جِبَالِ تِهَامَةَ بِيضًا، فَيَجْعَلُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَبَاءً مَنْثُورًا، قَالَ ثَوْبَانُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ، صِفْهُمْ لَنَا، جَلِّهِمْ لَنَا أَنْ لَا نَكُونَ مِنْهُمْ، وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ، قَالَ : أَمَا إِنَّهُمْ إِخْوَانُكُمْ، وَمِنْ جِلْدَتِكُمْ، وَيَأْخُذُونَ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا تَأْخُذُونَ، وَلَكِنَّهُمْ أَقْوَامٌ إِذَا خَلَوْا بِمَحَارِمِ اللَّهِ انْتَهَكُوهَا ))

[ سنن ابن ماجه عن ثوبان ]

 هناك جلوة وهناك خلوة، هناك أعمال معلنة و أعمال لا تعلن، ما دام هناك ازدواجية، فإياك أن تقع، دخلنا بالنفاق.
 أيها الأخوة الكرام، من علامات المؤمن إذا وقع في ذنب أنه يرى ذنبه كالجبل فوقه يخاف أن يقع عليه، والمنافق يرى ذنبه كالذباب مرّ على أنفه، حينما تعظم الذنب فأنت مؤمن، حينما لا تعبأ بالذنب من علامات النفاق.
 أيها الأخوة الكرام، من تتمات هذا الموضوع:

(( اتق الله ولا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستقي))

[ ابن حبان عن سليم بن جابر الهجيمي]

 مهما كان العمل صغيراً هو عند الله كبير، لا تستصغر عملك، مهما كان لك مكانة كبيرة العمل الصالح محسوب لك.

12 ـ عدم الاهتمام بهموم المسلمين :

 شيء آخر من علامات ضعف الإيمان ألا تهتم بهموم المسلمين، ألا تحمل همهم، الذي لا يحمل همّ المسلمين بشتى بقاع الأرض هو على ثلمة من النفاق.

13 ـ كثرة الجدال و المراء :

 ومن وسائل ضعف الإيمان كثرة الجدال والمراء.
 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، والحمد لله رب العالمين.

***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله، ثم الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وما توفيقي، ولا اعتصامي، ولا توكلي إلا على الله.

الحكمة من بقاء رأس الدابة موصولاً بها عند الذبح :

 أيها الأخوة الكرام، النبي عليه الصلاة والسلام أمرنا عندما نذبح الذبيحة أن نقطع أوداجها فقط ونبقي رأسها متصلاً بها، العالم كله يعلق الدابة التي تذبح من أرجلها ويقطع رأسها، ما هذا التوجيه؟ ما علاقة هذا التوجيه في القضية العلمية؟ لا يوجد مركز علمي في الأرض يستطيع أن يفسر حكمة هذا الأمر، ولا بعد خمسين عاماً، ولا بعد مئة عام، ولا بعد مئتي عام، ولا بعد ألف عام، ولا بعد ألف و أربعمئة عام، قبل عشرين عاماً ظهرت الحكمة، ما الحكمة؟ أن القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر داخلي لأنه عضو نبيل، وعلى ضخه تتوقف حياة الإنسان، ينبغي ألا يخضع للكهرباء الخارجية، يتلقى الأمر من ذاته، بطارية أولى وثانية وثالثة، هناك ثلاثة مراكز كهربائية في القلب، وكلكم يعلم عندما يضعف القلب يوضع بطارية في قلب الإنسان.
 هناك مركز أول و مركز ثان، لو تعطل الأول هناك مولدة احتياط، لو تعطلت المولدة الثانية هناك مولدة ثالثة. القلب بالأمر الذاتي لا ينبض إلا ثمانين نبضة فقط، الإنسان يصعد درجاً، أو يلحقه عدو، يحتاج إلى مئة وثمانين نبضة، الإنسان على الشريط عند طبيب القلب يرتفع نبض القلب إلى مئة وثمانين نبضة، فكيف ترتفع نبضات القلب؟ الغدة النخامية تعطي أمراً للكظر أن يرفع النبض للمئة والثمانين، هذه الغدَّة تعطي أمراً هرمونياً إلى الكظرين فوق الكليتين، الكظر يعطي أمراً للقلب بالتسرُّع، يرفع النبض للمئة والثمانين، وأمراً للرئتين بازدياد الخَفَقَان، أما الأمر الثالث فللكبد لطرح كميَّة من السكر زائدة، وأمر للكبد ليطلق هرمون التجلط، حتى إذا جاءته ضربة سكين لا يسيل دمه كله، وآخر أمر للأوعية بالتضيُّق، فيصفر لون الخائف.
 فالخائف يرتفع نبضه، يرتفع السكر، يرتفع النبض، تضيق الأوعية، هذا يتم بثوان، صنع من؟ حكمة من؟ رحمة من؟ لذلك حينما نذبح الذبيحة ونقطع رأسها كلياً بقي الأمر ثمانين ضربة تخرج ربع الدم فقط، أما لو بقي رأسها فيها صار القلب ينبض مئة وثمانين نبضة فيخرج الدم كله، الدابة المذبوحة بخلاف الشريعة لونها زرقاء، هذا النبي عليه الصلاة والسلام من علمه ذلك؟ الآن كشف، هذا ديننا دين علم، دين وحي السماء، منهج خالق، منهج صانع، وأنت أعقد آلة في الكون، ولك صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، وانطلاقاً من حبك لذاتك، من أنانيتك من حبك لسلامة وجودك، وكمال وجودك، واستمرار وجودك، ينبغي أن تطيع الله.

﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً ﴾

[ سورة الأحزاب: 71 ]

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم احفظ بلاد المسلمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ أخوتنا في بلاد الشام، يا أمان الخائفين، يا جار المستجيرين، اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS