57265
خطبة الجمعة - خطبة 1194 - ألقيت في أستراليا (01-25): خ1- الإنسان هو المخلوق الأول ، خ2-توجيه النبي في ذبح الدابة
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-12-30
بسم الله الرحمن الرحيم

الخطبة الاولى:

 الحمد لله نحمده، ونستعين به، ونسترشده، ونعوذ به من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقراراً بربوبيته، وإرغاماً لمن جحد به وكفر، وأشهد أن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم رسول الله، سيد الخلق والبشر، ما اتصلت عين بنظر، أو سمعت أذن بخبر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى صحابته الغر الميامين، أمناء دعوته، وقادة ألويته، و ارضَ عنا وعنهم يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وُحول الشهوات إلى جنّات القربات.

الإنسان هو المخلوق الأول :

 أيها الأخوة الكرام، قيل: من عرف نفسه عرف ربه، فمن أنت أيها الإنسان؟ هل تصدق أنك المخلوق الأول، لماذا؟ لولا الدليل لقال من شاء ما شاء، ما الدليل؟

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

 ولأنك أيها الإنسان قبلت حمل الأمانة سخر الله لك ما في السموات وما في الأرض تسخير تعريف وتكريم، من أجل أن تعرفه، ومن أجل أن تعبده، لذلك قال تعالى:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 والعبادة طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.

الإنسان زمن كلما انقضى يوم انقضى بضع منه :

 الزمن هو البعد الرابع
أيها الأخوة الكرام، الإنسان - في أدق تعريف قرأته لتابعي جليل هو الحسن البصري- بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أنت بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منك، إذاً أنت زمن، والزمن كما قال علماء الرياضيات: هو البعد الرابع للأشياء، شيء له طول، وله عرض، وله ارتفاع، فإذا تحرك شكّل زمناً، وأنت كائن متحرك ما الذي يحركك؟ الحاجة للطعام والشراب حفاظاً على بقاء جسمك، وما الذي يحركك؟ بحاجة إلى من تقترن به حفاظاً على بقاء نوعك، ما الذي يحركك؟ حاجتك الثالثة إلى تأكيد ذاتك، الحاجة إلى الطعام والشراب حفاظاً على بقائك، والحاجة إلى الذكر حفاظاً على بقاء ذكرك، وحفاظاً على بقاء النوع عن طريق الزوج، إذاً أنت المخلوق الأول:

﴿ إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ﴾

[ سورة الأحزاب: 72 ]

العمر الذي منحه الله للإنسان أخطر شيء في حياته :

 الخسارة مضي الزمن هدرا
أيها الأخوة الكرام، إذاً أنت زمن بالتعريف الجامع المانع أنت بضعة أيام، إذاً أخطر شيء في حياتك هذا العمر الذي منحك الله إياه، إما أن يكون في طاعة الله، وتنتهي الحياة، وتسعد بهذه الطاعة إلى أبد الآبدين، ولا سمح الله ولا قدر إما أن يكون هذا العمر في معصية الله، فيشقى بهذه المعصية، ويهلك إلى أبد الآبدين، إذاً شيء خطير جداً هذا الزمن، لذلك أقسم الله لهذا المخلوق الأول الذي هو في حقيقته زمن، أقسم له بالزمن، قال تعالى:

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر: 1-2 ]

 ما الخسارة؟ مضي الزمن وحده يجعلك خاسراً، اثنين ثلاثاء أربعاء خميس جمعة سبت أحد انتهى أول أسبوع، أسبوع ثان، ثالث، رابع، شهر، شهر ثان، ثالث، رابع، فصل، فصل أول، ثان، ثالث، سنة، عشر سنوات أول عقد، الإنسان بضعة عقود، يفاجأ أن الموت قد اقترب منه.

كل مخلوق يموت ولا يبقى  إلا ذو العزة والـــجبروت
***
والليل مهما طــــال  فلا بد من طلوع الفـــجر
والعمر مهما طــــال  فلابد من نزل الـــــقبر
***
وكل ابن أنثى وإن طالت سلامته  يوماً على آلة حدباء محمول
فــإذا حملت إلى القبور جنازة  فــاعلم أنك بعدها محمول
***

مغادرة الدنيا أخطر حدث في المستقبل :

 أيها الأخوة الكرام، ألِف الناس أن يعيشوا وقتهم، أنا مهندس، أنا محام، أنا طبيب، أنا تاجر، أنا مهاجر، أو أن يعيشوا ماضيهم؛ كنت، وكنت، وفعلت، لكن قلة قليلة جداً من يعيش المستقبل وأخطر حدث في المستقبل مغادرة الدنيا من بيت إلى قبر، من زوجة، وأولاد، وأصهار، وكنائن، وأقرباء، وجيران، وأحباب، وسهرات، وحفلات، ولقاءات، وسفر سياحي، وطعام نفيس إلى قبر، من هو الذكي؟ من هو العاقل؟ هو الذي يعد لهذه الساعة التي لا بد منها، والله مرة شيعت أحد الأخوة، فلما وضع في القبر أعرف بيته، ودخله، والرفاه الذي يعيشه، لما وضع في القبر قلت: والله ما وجدت على وجه الأرض إنساناً أذكى ولا أعقل ممن يعد لهذه الساعة، التفكر في الموت من العبادة، لأن الموت ينهي قوة القوي، الأباطرة ماتوا، وضعف الضعيف، وغنى الغني، وفقر الفقير، ووسامة الوسيم، ودمامة الدميم، وصحة الصحيح، الموت ينهي كل شيء، فالذكاء والبطولة والنجاح والتوفيق في الإعداد لهذه الساعة.

الزمن ينفق إنفاقاً استهلاكياً أو استثمارياً :

 لذلك قيل في النجاح: أن تنجح في كسب المال مثلاً، قيل في النجاح: أن تنجح في اختيار الزوجة، قيل في النجاح: أن تنجح في تربية أولادك، وقد يكون النجاح في الدنيا لكن الفلاح شيء آخر؛ أن تنجح في الدنيا والآخرة معاً، الفلاح أن تحقق الهدف الذي خلقت من أجله، أنت خلقت لعبادة الله التي هي ثمن الجنة، التي فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
 أيها الأخوة الكرام، الإنسان بِضْعَةُ أيام، كلما انقضى يومٌ انقضى بِضْعٌ منه. لذلك أنت حينما تتعامل مع الزمن هذا الزمن ينفق على طريقتين؛ ينفق إنفاقاً استهلاكياً، بالتعبير المعاصر تأكل، وتشرب، وتنام، وتسهر، وتسافر، وتذهب إلى النزهة، وتقيم علاقة طيبة، وتستأنس بمن حولك، كل هذه الأعمال ليس لها أثر مستقبلي، أما حينما تتعرف على الله، وحينما تتعرف إلى منهجه، وحينما تحمل نفسك على طاعته، فأنت الآن تحركت وفق الهدف الذي خلقت من أجله.

منهج الله عز وجل منهج تفصيلي كامل :

 لذلك:

﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾

[ سورة الذاريات: 56 ]

 العبادة أن تخضع لمنهج الله بتفاصيله، ومنهج الله عز وجل دقيق جداً، يتوهمه المتوهمون أنه صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، هذه خمسة بنود من المنهج، العبادة الشعائرية صلاة، وصيام، وحج، وزكاة، أما العبادة التعاملية - والله لا أبالغ- فتصل إلى خمسمئة ألف بند، العبادة التعاملية تبدأ من فراش الزوجية وهو من أخص خصوصيات الإنسان وتنتهي بالعلاقات الدولية، منهج تفصيلي كامل، فإذا أردت الجنة ابحث عن هذا المنهج، اطلب العلم، في المنهج طريقة لكسب المال، طريقة لإنفاقه، من ينبغي أن تتزوج، كيف تعامل أولادك، كيف تعامل أقربائك، كيف تعامل من حولك، من فوقك، من تحتك، منهج تفصيلي.

طلب العلم حتم واجب على كل مسلم :

 إذاً لا بد من طلب العلم، طلب العلم حتم واجب على كل مسلم، وأنت بطلب العلم تهتدي بمنهج الله عز وجل، لماذا أنت ومن دون أن تشعر إذا اقتنيت آلة غالية الثمن عظيمة النفع معقدة التركيب لا تستخدمها قبل أن تقرأ تعليمات الصانع؟ وأنت أعقد آلة في الكون، والذي صنعك له تعليمات، في الكتاب والسنة، لماذا لا تقرأ تعليمات الصانع حفاظاً على سلامتك وبحثاً عن سعادتك؟ قضية الدين ليست وردة نضعها على صدورنا، نضعها أو لا نضعها، قضية الدين قضية مصيرية، إما إلى سعادة أبدية، أو إلى شقاء أبدي، قضية خطيرة جداً، هناك درس علم اليوم لست فارغاً، هذا كلام فارغ، هذا الدرس جزء من حياتك، قراءة القرآن جزء من حياتك، معرفة سنة النبي عليه الصلاة والسلام جزء من حياتك، أن تقرأ تاريخ الصحابة جزء من حياتك، يجب أن تتحرك، هناك توجيهات نظرية كلية في القرآن الكريم، وهناك توجيهات تفصيلية في السنة، وهناك تطبيقات عملية في السيرة، الكتاب فيه حقائق كلية، والسنة تفصيلية، والسيرة تطبيقية، فأنت إذا قرأت العلم ينبغي أن تقتني كتاب حديث، تفسير، أنت بالضبط كهذا الهاتف الخليوي، ماذا يحتاج من حين إلى آخر؟ إلى شحن، فإذا لم تشحنه اسودت الشاشة وصمت، وأنت في أمس الحاجة إلى شحن أسبوعي شحنة أسبوعية ما هي؟ صلاة الجمعة، وعندنا شحن إضافي دروس الجمعة، وشحنة يومية الصلوات الخمسة، شحنة أسبوعية صلاة الجمعة، عندنا شحنة سنوية الصيام، وشحن على مستوى العمر هو حج بيت الله الحرام، هذه كلها وسائل للشحن.

السلامة و السعادة :

بالاستقامة نزيح العقبات
 
أيها الأخوة الكرام، هذا الذي أتمنى أن يكون واضحاً، الإنسان بضعة أيام، كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، أيها الأخوة الكرام، في الأرض الآن سبعة مليارات إنسان، ما منهم واحد إلا وهو حريص حرصاً لا حدود له على سلامة وجوده، وعلى كمال وجوده، وعلى استمرار وجوده، سلامة وجودك بالاستقامة على أمر الله، لكن الاستقامة لا تكفي أنت بالاستقامة تنجو من عذاب الله، بالاستقامة تسلم، لكن أنت بحاجة إلى السعادة، بالعمل الصالح تسعد:

﴿ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾

[ سورة فاطر: 10]

 أنت بالاستقامة أزحت كل العقبات، في الطريق إلى الله عقبات كأداء، كل معصية عقبة، فإذا استقمت وتبت توبة نصوحة أزحت العقبات عن طريقك إلى الله، لكن هذا طريق لابد من التحرك عليه، العمل الصالح يدفعك على هذا الطريق إلى الله، إذاً الاستقامة والعمل الصالح جزء أساسي جداً من سلوك المؤمن، يمتنع عن كل معصية استقام، يفعل كل طاعة وكل خير وكل عمل صالح.

العمل الصالح علة وجود الإنسان في الدنيا بعد الإيمان بالله :

 هل تصدق أن علة وجودك في الدنيا بعد الإيمان بالله هو العمل الصالح، والدليل أن الإنسان إذا اقترب أجله يقول:

﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ ﴾

[ سورة المؤمنون: 99-100]

 على ماذا يندم من حضرته الوفاة؟ على عمل صالح فاته، على ساعة مضت لم يذكر الله فيها، على خير كان بين يديه ففرط به، وأسوأ شعور يصيب الإنسان شعور الندم، ورد في بعض الآثار: "إن العار ليلزم المرء يوم القيامة حتى يقول: يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون عليّ مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب".

تعريف الأبد :

 أن تضيع فرصة ذهبية أنت خلقت لسعادة الدنيا والآخرة، ما الأبد؟ أخوتنا قضية الأبد شيء خطير جداً، كل ثلاثة أصفار تساوي ألفاً، ثلاثة أصفار أخر تساوي مليوناً، ثلاثة ثالثة ألف مليون، ثلاثة رابعة تساوي مليون مليون، لو أن أصفاراً من الأرض إلى الشمس كم هذا الرقم؟ مئة وستة خمسون مليون كيلو متر، وكل ميليمتر صفر، هذا الرقم إذا وضع صورة، الدنيا بنسائها، بمباهجها، بشهواتها، بمراكزها، بمناصبها، بكل ما فيها، لا تعدل عند الله جناح بعوضة:

(( لَوْ كَانَتْ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ ))

[ الترمذي و ابن ماجه عن سهل بن سعد]

 الدنيا جيفة طلابها كلابها، الدنيا دار من لا دار له، ولها يسعى من لا عقل له، الدنيا تنتهي بالموت، فالموت ينهي القوة، ينهي الضعف، ينهي الغنى، ينهي الفقر، ينهي الوسامة، ينهي الدمامة، ينهي الذكاء، ينهي الغباء، ينهي كل شيء، فالبطولة أن تعيش مستقبل حياتك، أن تفكر فيما بعد الموت، أن تعمل لآخرتك، الله عز وجل يبين أن الذين انحرفوا عن الطريق لم يسعوا إلى الآخرة.

الإنسان خاسر لا محالة لأن مضي الزمن يستهلكه :

 أيها الأخوة الكرام، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه، يجب أن نعيش اليوم بعمل صالح، في صلاة الفجر: "اللهم هب لنا عملاً صالحاً يقربنا إليك"،"اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"، لا بد من تذكر مستمر بالله عز وجل، إذاً الإنسان بنص الآية:

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]

 جواب القسم إلهنا خالقنا يقسم لنا بالعصر، بالزمن لأننا زمن، قال :

﴿و العصر* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴾

[ سورة العصر الآيات : 1-2 ]

 أي مضي الزمن يستهلكه، خاسر لا محالة، قبل أن يعصي هو خاسر لأن الموت ينهيه.

أركان النجاة :

 لكن رحمة الله في إلا:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

 أركان النجاة- كما سماها الإمام الشافعي- أربعة؛ أن تؤمن، وأن تعمل صالحاً، وأن تتواصى بالحق، وأن تتواصى بالصبر، أي أن تعرف الله، أن تعرفه معرفة تحملك على طاعته، أي آمنوا، وأن تترجم هذه المعرفة إلى عمل صالح، ومن معاني العمل الصالح الاستقامة، أن تستقيم على منهج الله، أنت أعظم آلة في الكون ولك صانع حكيم، ولهذا الصانع الحكيم تعليمات التشغيل والصيانة، فانطلاقاً من سلامتك، انطلاقاً من حبك لسلامتك، ومن حرصك على استمرارك ينبغي أن تطيع الله عز وجل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

الإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً :

 آمنا بالله خالقاً مربياً مسيراً، آمنا بالله واحداً أحداً، فرداً صمداً، آمنا بالله مربياً، آمناً، مسيراً، آمنا بأسمائه الحسنى، آمنا بصفاته الفضلى، آمنا بمنهجه، الذي هو المنهج القويم:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

 هذا الإيمان من دون عمل لا قيمة له إطلاقاً، إنسان معه مرض جلدي علاجه الوحيد أن يتعرض لأشعة الشمس فقط، جلس في غرفة مظلمة قميئة فيها رطوبة حادة، وقال: يا لها من شمس ساطعة! ما أعظم نور الشمس! مهما مدح أشعة الشمس وهو في غرفة مظلمة لا قيمة لهذا المديح، العبرة بالتطبيق، بالعمل:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 3]

الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم في حدود ما يعلم ومع من يخاطب :

 أيها الأخوة الكرام، يتوهم الإنسان أن الدعوة إلى الله متعلقة بالعلماء، لا، الدعوة إلى الله فرض عين على كل مسلم، فرض عين في حدود ما يعلم ومع من يخاطب، الدليل سورة العصر:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

نقل الكلمة الطيبة دعوة
 
أحد أركان النجاة، أي أنت مواطن مؤمن إن شاء الله، جلست بخطبة جمعة، استمعت إلى شرح آية تأثرت بها، لك قريب، لك شقيق، لك شريك، جار، موظف عندك، بلغه هذا المعنى، انقل هذه المعاني إلى من حولك، هذه دعوة إلى الله عز وجل، في حدود ما تعلم ومع من تعرف، الدعوة إلى الله كفرض عين في حدود ما تعلم ومع من تعرف فقط، هذه فرض عين، أما التبحر والتعمق والتفرغ فهذا من شأن الدعاة وهو فرض كفاية إذا قام به البعض سقط عن الكل، أما الدعوة لكل مسلم ففرض عين على كل مسلم، فرض عين في حدود ما يعلم ومع من يخاطب، الدليل القرآني:

﴿ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر الآية : 3]

 والدليل النبوي:

(( بلغوا عني ولو آية ))

[ أخرجه البخاري والترمذي عن ابن عمرو ]

 أنت مكلف بكل خطبة جمعة أن تنتبه لمضمون الخطبة، أن تكتب كم من الكلمات، أن تحاول في كل أسبوع أن تنقل هذه المعاني إلى من حولك، لزوجتك، لأولادك، لشريكك، لإنسان تحبه، لصديق، لحميم.
 أيها الأخوة الكرام:

﴿ إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة العصر: 3]

 أي أركان النجاة أن تعرف الله، أن تطبق منهجه، أن تدعو إليه، أن تصبر عن البحث عن الحق، والعمل به، والدعوة إليه، هذه السورة قال عنها الإمام الشافعي: "لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم".
 وكان أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام ما تفرقوا بعد مجلس إلى على هذه السورة، كانوا يتلونها بعد انفضاض المجلس، هذه السورة منهج.

الدنيا استمتاع مؤقت ومتعة آنية :

 شيء آخر سورة قصيرة من لوازم هذه السورة، قال تعالى:

﴿ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُرُ ﴾

[ سورة التكاثر: 1 ]

 ما معنى اللهو؟ أي أن تغوص في البحر، فيه لآلئ قيمتها بالملايين، أن تدع النفيس وأن تأخذ الخسيس، الدنيا كلها بالآخرة، شيء خسيس ينتهي بالموت، الملوك ماتوا، والأقوياء ماتوا، والأغنياء ماتوا، والضعاف ماتوا، والصحاح ماتوا، الدنيا فيها شيء نفيس معرفة الله عز وجل، والعمل للآخرة، وفيها شيء خسيس هذه الأشياء المادية التي نتباهى بها، هذه ليس لها أثر، إذا إنسان أكل طعاماً طيباً من سنتين والآن جائع جوعاً شديداً هل يكفه أن يذكر الطعام ليشبع؟ الطعام النفيس مع أنه نفيس وطيب لكن ليس له أثر مستقبلي، انتهى بوقته، هذا معنى قوله تعالى:

﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾

[ سورة آل عمران: 185]

 استمتاع مؤقت، متعة آنية، متعة لا ثمرة لها، إذا استلقى إنسان بحوض السباحة ساعة من الزمان يا ترى هذا الحوض يجعله تاجراً كبيراً؟ يصبح أستاذ جامعة؟ يأخذ ليسانس؟ الاستمتاع ليس له أثر مستقبلي أبداً، آني ينقي بانقضائه، اثنان تناولا الطعام، الأول طعام نفيس، والثاني طعام رخيص جداً، بعد الشبع انتهى الأمر، الدنيا ليس لها أثر، الأثر للعمل الصالح، تسعد به إلى أبد الآبدين، هل دعوت إلى الله؟ هل أنفقت من مالك؟ هل أعنت ضعيفاً؟ هل أطعمت جائعاً؟ هل دللت تائهاً؟ هل أحسنت إلى زوجتك؟ هل ربيت أبناءك؟

﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾

[ سورة الطور: 21 ]

الإنسان خلقه الله لجنة عرضها السموات و الأرض :

 أيها الأخوة الكرام، شهد الله أن الإنسان لو يعلم ماذا ينتظره من هذا الرب الكريم إذا أطاعه، وماذا ينتظره لو عصاه لما نام الليل، إله خلقنا لنعبده، خلقنا ليسعدنا، خلقنا لجنة عرضها السموات والأرض، وجعل الطرق إلى الجنة سالكة، هناك طريق من البيت، المرأة إذا ربت أولادها تربية عالية، والتاجر إذا كان تاجراً صدوقاً من محله إلى الجنة، وكل إنسان من خلال عمله له طريق إلى الجنة، والجنة لكل إنسان، وثمنها مقبول ومعقول.
 فيا أيها الأخوة الكرام، الإنسان بضعة أيام كلما انقضى يوم انقضى بضع منه.
 أيها الأخوة الكرام، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين .

***

الخطبة الثانية :

 الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

توجيه النبي في ذبح الدابة :

 أيها الأخوة الكرام، في العالم الغربي تعلق الدابة التي تذبح من أرجلها ويقطع رأسها، في توجيه النبي عليه الصلاة والسلام ألا نقطع رأسها بل نقطع أوداجها فقط، هذا توجيه نبوة بعهد النبي، لا يوجد مركز علمي في الأرض يستطيع أن يفسر حكمة هذا الأمر، ولا بعد خمسين عاماً، ولا بعد مئة عام، ولا بعد مئتي عام، ولا بعد ألف عام، ولا بعد ألف و أربعمئة عام، لكن الآن اكتشفت العلم هذه الحكمة، ذلك أن القلب ينبض ثمانين نبضة بأمر داخلي، من بطارية أولى وثانية وثالثة، هناك ثلاثة مراكز كهربائية في القلب، لأن القلب خطير جداً ونبضه يعني بقاء الحياة، ووقفه يعني انتهاء الحياة، لذلك لا يستمد طاقته من الشبكة العامة، يأخذها من مولدة خاصة، هناك مركز أول و مركز ثان، لو تعطل الأول هناك مولدة احتياط، لو تعطلت المولدة الثانية يوجد مولدة ثالثة.
القلب ينبض ثمانين نبضة بالدقيقة
 
أيها الأخوة الكرام، إلا أن القلب بالأمر الذاتي لا ينبض إلا ثمانين نبضة فقط، الإنسان يصعد درجاً أو يلحقه عدو أو وحش، يحتاج إلى مئة وثمانين نبضة، الإنسان على الشريط عند طبيب القلب يرتفع نبض القلب إلى مئة وثمانين نبضة، فالإنسان بحاجة ليرفع طاقته بظروف استثنائية، لو أن القلب يأخذ الأمر من ذاته لنبض ثمانين نبضة فقط، لكن مركز القلب في الرأس، الغدة النخامية تعطي أمراً للكظر أن يرفع النبض لمئة وثمانين، أمر معقد جداً، تقوم باثنتي عشرة وظيفة لو تعطلت إحدى هذه الوظائف لأصبحت حياة الإنسان جحيماً لا يطاق، من هذه الوظائف ضبط السوائل، لو لم يكن هناك ضبطاً الإنسان يشرب عشر تنكات من الماء، ليس معقول إطلاقاً، أحد وظائف هذه الغدَّة تعطي أمراً هرمونياً إلى الكظرين فوق الكليتين، الكظران يعطيان أمراً للقلب بالتسرُّع، يرفع النبض للمئة والثمانين، أمر للرئتين بازدياد الخَفَقَان، وأمر للكبد لطرح كميَّة من السكر زائدة، وأمر للكبد ليطلق هرمون التجلط، و أمر للأوعية بالتضيُّق، فيصفر لون الخائف، لو فحصنا سكر الخائف عنده لوجدناه مئتين وخمسين مليمتراً وليس مئة وعشرين، يرفع السكر، النبض، يضيق الأوعية، خمسة أوامر تقوم بها الكظر كي يتلافى الخطر الذي يواجهه الإنسان، صنع من؟ حكمة من؟ رحمة من؟

أتحسب أنك جرم صغير  وفيك انطوى العالم الأكبر

***

 لذلك حينما نذبح الذبيحة نبقي رأسها فيها، صار القلب ينبض مئة وثمانين نبضة يخرج الدم كله، لو قطعوا رأس الذبيحة لخرج ربع الدم فقط، أذكر أن وفداً سورياً ذهب لشراء لحم من الصين، طلب هذه الطريقة بالذبح، فرفعوا السعر ثمانية دولارات، عندئذ الدم كله يخرج، هذا النبي عليه الصلاة والسلام الأمي قبل ألف وأربعمئة عام من علمه؟ نحن حينما نذكي الذبيحة نقطع أوداجها دون أن نقطع رأسها حتى يخرج جميع الدم منها، لذلك اللحم المذبوح بالشريعة لونه زهر، شهي، واللحم الآخر لونه أزرق أليس كذلك؟

الدعاء :

 اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا واصرف عنا شر ما قضيت، فإنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت تباركت ربنا وتعاليت، لك الحمد على ما قضيت، أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارض عنا، اللهم اجعل خير أعمالنا أواخره، وخير أعمارنا خواتمه، احفظ لنا أولادنا ومن يلوذ بنا يا رب العالمين، اللهم صن وجوهنا باليسار ولا تبذلها بالإقتار، فنسأل شر خلقك، ونبتلى بحمد من أعطى، وذم من منع، وأنت من فوقهم ولي العطاء، وبيدك وحدك خزائن الأرض والسماء.
 اللهم احفظ بلاد المسلمين، اللهم احفظ المسلمين في كل مكان، اللهم احفظ أخوتنا في بلاد الشام، احفظ لهم بلادهم وأمنهم، وصلى الله على رسولنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS