16521
التفسير المطول - سورة التوبة 009 - الدرس ( 52-70 ) : تفسير الآية 74، غزوة تبوك.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2011-05-13
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الجهل والوهم إلى أنوار المعرفة والعلم، ومن وحول الشهوات إلى جنات القربات.

التعبير غير المباشر عن طريق القصة فيه موعظة كبيرة :

 أيها الأخوة الكرام، مع الدرس الثاني والخمسين من دروس سورة التوبة، ومع الآية الرابعة والسبعين وهي قوله تعالى:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ﴾

 أيها الأخوة الكرام، هذه الآية تشير إلى قصة وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أثناء غزوة تبوك، أحداث القصة دقيقة جداً، بل يمكن أن نستنبط منها حقائق كثيرة.
 أحياناً يستخدم القرآن التعبير المباشر، وهذا له خصائصه، وأحياناً يستخدم القرآن التعبير الغير مباشر عن طريق القصة، وهذا الأسلوب له خصائصه، على كلٍّ التعبير غير المباشر عن طريق القصة فيه موعظة كبيرة، لأن القصة حقيقة مع البرهان عليها، حقيقة مجسدة بأشخاص يتحركون، يتحاورون، يتواصلون، والإنسان أخو الإنسان فإذا قرأ قصة عن إنسان آخر فلابد من أن يتعظ موعظة كبيرة، لذلك قال تعالى:

﴿ لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴾

[ سورة يوسف الآية: 111]

قصة الجلاس بن سويد مع النبي صلى الله عليه و سلم :

 أيها الأخوة، تروي كتب السيرة أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما أراد أن يغزو الروم، وهذه الغزوة هي غزوة تبوك، هذه الغزوة وقعت أحداثها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حينما أراد أن يغزو الروم، وكانت هذه الوقعة أول وقعة بين المسلمين وبين غير العرب، فدعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغزوة في فترة شديدة الحر، كل واحد في هذه الفترة يفضل الجوس في بيته، في الأخياف، تحت النخيل، تحت الشجر، في جو رطب، ولا يرغبون في القيام من الظل، في هذه الفترة الحرجة الحارة حراً شديداً دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى غزوة لبلاد الروم هي غزوة تبوك.
 وعندما دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الجهاد في سبيل الله، والذهاب لقتال الروم، الآن المنافقون تلمسوا أعذاراً كاذبة، حتى لا يذهبوا إلى الجهاد، فظل القرآن ينزل في هؤلاء الذين تخلفوا عن هذه الغزوة شهرين كاملين، فقال رجل اسمه الجلاس بن سويد: والله إن كان محمد صادقاً فيما يقول فنحن شر من الحمر، فهو بهذا الكلام تكلم بكلمة الكفر، إن كان صادقاً، فإن لم يكن صادقاً فنحن في غنى عن هذه الغزوة، فهذه الكلمة بحق النبي الكريم المعصوم الذي أرسله الله بهذا القرآن وبهذه الدعوة العظيمة، هذا الكلام بحق النبي يعد كفراً، هنا قال له أحدهم: لقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنتم شر من الحمر، وأنت يا جلاس شر من الحمار.
 وهنا قام بعض المنافقين ليفتك بعامر بن قيس الأنصاري، لأن الجلاس بن سويد كان من سادة قومه الذي قال: لو أن محمد صادقاً فيما يقول لكنا شر من الحمر، هذا الكلام قاله سيد في قومه.
 وذهب عامر بن قيس إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بما حدث، فاستدعى النبي صلى الله عليه وسلم ابن سويد وسأله عن الخبر- دققوا الآن- ابن سويد حينما استدعي من قبل النبي صلى الله عليه وسلم ليسأله عن هذا الخبر حلف بالله أن كل ما قاله عامر بن قيس لم يحدث إطلاقاً، أي أنكر، وكذب، وحينما حلف أن هذا الذي نقله لك فلان لم يقع إطلاقاً تركه النبي صلى الله عليه وسلم لأنه حلف بالله، وهنا رفع عامر بن قيس يده إلى السماء وقال: " يا رب إني أسألك أن تنزل على عبدك ونبيك محمد صلى الله عليه وسلم تصديق ما قلت، وتكذيب الكاذب"، فقال عليه الصلاة والسلام: آمين، ولم ينتهوا من الدعاء حتى نزل الوحي بقول الحق جل جلاله:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾

 الآية التي نحن في بصددها،

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾

 الآن الوحي أضاف شيئاً دقيقاً جداً أن المنافقين حاولوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم بأن يدعونه إلى مكان مرتفع ثم يدفعونه فينزل ميتاً،

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾

 بعضهم قال: هم لم يسلموا أصلاً، المنافق كافر، لكن شراح هذه الآية قالوا: هؤلاء عند الناس مسلمون، أظهر إسلامه وأخفى كفره، فهنا كلمة:

﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ ﴾

 بعد أن شاع بين الناس أنهم مسلمون.
 وهكذا حسمت هذه الآية هذا الموقف، وأظهرت من هو الصادق ومن هو الكاذب، فيما رواه عامر بن قيس، وأنكره الجلاس.

الله تعالى أراد أن يَعلم المنافقون أنه يخبر نبيه بما يخفونه :

 ولكن الآية الكريمة تجاوزت ما عرف من الحادثة إلى ما لم يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال سبحانه:

﴿ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾

 ذلك أن الله تبارك وتعالى لحكمة بالغةٍ بالغة أراد أن يعلم المنافقون أنه يخبر نبيه بما يخفونه، ولو نزلت هذه الآية فقط في حادثة الحلف الكذب لقال المنافقون: ما عرف محمد عليه الصلاة والسلام إلا ما قاله عامر، ولكن هناك أشياء لم يسمعها عامر وهم قالوها، ذلك بأن المنافقين قد تآمروا على النبي صلى الله عليه وسلم واتفقوا على قتله عند عبوره العقبة، والعقبة هذه هي مجموعة من الصخور العالية التي تعترض الطريق، ويتحايلون على اجتياز العقبة بأن يعبروها أحياناً من أنفاق منخفضة، وأحياناً يعبرونها بأن يصعدوا فوقها ثم ينزلوا، ودبر المنافقون أن يدفعوا النبي صلى الله عليه وسلم إلى أعلى الصخور ويسقط في الوادي، ولكن حذيفة بن اليمان رحمه الله تعالى ورضي الله عنه كان يسير خلف ناقة رسول الله صلى الله عليه وسلم فتنبه للمؤامرة فتنبه المنافقون، وهكذا لم ينالوا مثلما يريدون، وعندما أتى النبي صلى الله عليه وسلم مهاجراً إلى المدينة قد كانوا يعدون العدة ليجعلوا عبد الله بن أبيّ ملكاً عليهم، ولكن مجيء رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يمكنهم من ذلك.
 وقيل: إنهم تآمروا على قتل عامر بن قيس لأنه أبلغ رسول الله بما قاله الجلاس بن سويد ولكنهم لم يتمكنوا.

الحوادث التي وقعت في عهد رسول الله وقعت لحكمة لتكون منهجاً لكل إنسان :

 أيها الأخوة الكرام، هذه القصة تبين أن الذي ابتعد عن الله يتحرك حركة شريرة، أرادوا أن يقتلوا النبي عليه الصلاة والسلام، لماذا؟ لأنه جاء لهم بهذا الدين العظيم، بهذا الهدى القويم، بهذا القرآن الكريم، فالمؤمن يتحرك وفق منهج الله، لكن الآخر غير المؤمن يتحرك وفق هوى نفسه.
 على كلٍّ هذه القصة لها عدة حقائق دقيقة جداً ينبغي أن نعرفها، لأن كل شيء وقع أراده الله، معنى أراده أي سمح به، لم يأمر، ولم يرضَ، لكن سمح به لحكمة بالغة بالغة، وكل شيء أراده الله وقع، وإرادة الله متعلقة بالحكمة المطلقة، والحكمة المطلقة متعلقة بالخير المطلق.
 ويبدو أن الأحداث التي وقعت في عهد رسول الله هذه الأحداث تعبر عن حقائق كثيرة جداً، وحقائق تنبع من واقع، تنبع من معاينة، تنبع من تجربة، فحينما تنبع الحقيقة من واقع ومن خبرة ومن تجربة تكون أبلغ في النفوس مما لو ألقيت بلا تمهيد وبلا حقائق تدعمها.
 إذاً أكثر الآيات التي تشير إلى وقائع وقعت في عهد النبي الكريم إنما هي حقائق لكنها استنبطت من حوادث، بل إن الحوادث التي وقعت في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وقعت لحكمة بالغةٍ بالغة كي يكون بمجموع هذه الحوادث منهج كامل لهذا الإنسان، فقد يقول العلماء أن سنة النبي عليه الصلاة والسلام هي أقواله، أقواله سنة.

﴿ وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى ﴾

[ سورة النجم]

 إنه معصوم من أن يخطئ في أقواله، وفي أفعاله، وفي إقراره، فأقواله سنة، وأفعاله سنة، وإقراره سنة، هذه السنة تفسير، وتوضيح لآيات القرآن الكريم، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

((تَركْتُ فيكُمْ أَمْرَيْنِ لنْ تَضِلُّوا ما تَمسَّكْتُمْ بهما: كتابَ الله، وسنّة رسولِهِ))

[أخرجه مالك عن بلاغ بن مالك]

علم الله علم مطلق :

 هؤلاء:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا ﴾

 وغاب عنهم أن الله يعلم:

﴿ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى ﴾

[ سورة طه]

 يعلم ما تبطن، ويعلم ما تخفي، لذلك سيدنا علي كرم الله وجهه له قول رائع: "علم ما كان، وعلم ما سيكون، وعلم ما كان في الماضي، وعلم ما يكون في الحاضر، وعلم ما سيكون في المستقبل، - أما الرابعة- وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون"، إذاً علم ما كان، وعلم ما يكون، وعلم ما سيكون، وعلم ما لم يكن لو كان كيف كان يكون.
 علم الله علم مطلق، فلذلك الإنسان حينما يعلم أن الله يعلم يستقيم على أمره:

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

[ سورة الطلاق]

 اختار الله من أسمائه القدير والعليم، معنى ذلك أن هذين الاسمين وحدهما يكفيان كي تستقيم على أمر الله، هو يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب.
 نحن من حياتنا اليومية أنت حينما تركب مركبة والإشارة حمراء، والشرطي واقف، ودفتر الضبط بيده، وأنت مواطن عادي، شيء طبيعي جداً أن تلتزم بهذه الإشارة، إن تجاوزتها كُتب الضبط، ودفعت مبلغاً كبيراً، فما دمت موقناً أن هذا الشرطي يعلم، وسيحاسب، وسيعاقب، لن تعصي أمره، لن تعصي أمر شرطي فكيف بخالق السموات والأرض الذي يعلم وسيحاسب وسيعاقب؟ والدليل:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً ﴾

المعركة بين الحق و الباطل معركة أزلية أبدية :

 الله عز وجل يضيف في قرآنه الكريم:

﴿ وَمَا نَقَمُوا ﴾

 هؤلاء المنافقين، لماذا ينقمون على هذا النبي الكريم؟ لماذا حاولوا قتله؟ ماذا فعل هذا النبي؟ جاءهم بالهدى، جاءهم بكتاب منهج الله عز وجل، هذا المنهج ليسعدهم في الدنيا والآخرة، هذا المنهج فيه أسباب سلامتهم وسعادتهم، لماذا نقموا عليه؟ ماذا فعل هذا النبي الكريم حتى كاد له الكائدون وتآمر عليه المتآمرون؟ هذه حقيقة دقيقة هي أن الطرف الآخر الذي ابتعد عن الإيمان لا يحب الحق أن ينتشر، لأن انتشار الحق يفضحه، فدائماً وأبداً هناك معركة أزلية أبدية بين الحق والباطل، هذه المعركة قديمة، ودائماً أقول: الباطل موجود في كل مكان في الأرض، لكن بطولة المسلم وبطولة المؤمن ألا يسمح للباطل أن ينفرد بالساحة، هناك باطل لكن هناك حق، هناك أماكن مستنيرة كالمساجد فيها دعوة إلى الله، وتعريف بالإنسان، وهناك أماكن فيها معاص وآثام، والإنسان مخير، ولأن الإنسان مخير يثمن عمله، لو أن الله أجبر عباده على الطاعة لبطل الثواب، ولو أجبرهم على المعصية لبطل العقاب، ولو تركهم هملاً لكان عجزاً بالقدرة، إن الله أمر عباده تخييراً ونهاهم تحذيراً، وكلف يسيراً ولم يكلف عسيراً، وأعطى على القليل كثيراً.

الفرق الكبير بين مقام الألوهية ومقام البشرية :

 لذلك هذا الذي حصل في عهد النبي الكريم في هذه الغزوة يعد درساً بليغاً لنا نحن من بعده، هذه الوقائع التي وقعت في عهد النبي منهجاً حركياً لنا، والذين قالوا: إن سنة النبي هي أقواله وأفعاله أصابوا الحقيقة، أقواله وأفعاله وإقراره، فالنبي معصوم من أن يخطئ في أقواله وأفعاله وإقراره، من عصمه؟ الله عز وجل، هو كماله مطلق لكن عصمته أيضاً مؤكدة بالقرآن الكريم، لكن كتعليق لطيف الله سبحانه وتعالى ترك لهذا النبي الكريم هامشاً ضيقاً جداً، هامشاً اجتهادياً، فإذا اجتهد النبي الكريم من أجل أن يؤكد الله لأمته من بعده أنه بشر، فإذا اجتهد من خلال هذا الهامش الذي ترك له، وهو ضيق جداً، ولم يكن اجتهاده كما ينبغي فيأتي الوحي ليصحح له اجتهاده، معنى ذلك أن هناك فرق كبير بين مقام الألوهية ومقام البشرية، هو بشر وقد قال عن نفسه:

((إنما أنا بشر، أرضى كما يرْضى البشر، وأغْضَبُ كما يغضب البشر))

[أخرجه مسلم عن أنس بن مالك]

 الآية الكريمة:

﴿ وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 نقموا تعني كرهوا، لأن الغنى لا يكره، أما لأنه جاء عن طريق النبي، فهؤلاء الذين تحدث الله عنهم بعد مجيء النبي اغتنوا وتعاونوا، لكن الذين ابتعدوا عن الدين ما أرادوا هذا النصر للمؤمنين.

المنافق كافر عاش في جو إيماني فأظهر الإيمان وأخفى الكفر والعصيان :

 وقد قال بعض المفسرين: وقبل أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم كان الذين كرهوا مجيء رسول الله إلى المدينة فقراء لا يملكون شيئاً، ولكنهم لما نافقوا ودخلوا في الإسلام أخذوا من الغنائم وأغناهم الله، بل إن الجلاس بن سويد هذا الذي أراد هذه الفتنة، لما قُتل له غلام دفع له النبي عليه الصلاة والسلام اثني عشرة ألف درهم دية له، إذاً قد جاء على يد رسول الله الغنى للجميع، حتى المنافقين، فهل هذا أمر تكرهونه؟ طبعاً لا، ولكنه دليل على فساد طباعهم، وعدم إنصافهم في الحكم، وما دام الله سبحانه وتعالى قد أغناهم بمجيء رسوله ما كان يصح أن يعاب ذلك على النبي الكريم، بل كان يجب أن يمدح به وأن يتفانوا بالإيمان بعد ذلك، هذا المنافق يأتيه الخير في الدنيا ومع ذلك يعادي أهل الحق، الحقيقة أن المنافق كافر، لكنه عاش في جو إيماني أراد أن يكسب مكاسب إيمانية، فأظهر الإيمان، وأخفى الكفر والعصيان.

باب التوبة مفتوح على مصارعه لكل إنسان :

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾

 الآن إضافة إلى ما حدث، إضافة إلى ما لم يعلم النبي بذلك، هموا بقتله، وهموا

﴿ بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾

 والله عز وجل كما قال:

﴿ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾

[ سورة المائدة الآية: 67]

 النبي معه رسالة، أما حينما تقرأ قوله تعالى:

﴿ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ ﴾

[ سورة آل عمران الآية: 144]

 طبعاً قد يقتل النبي بعد أداء الرسالة، لكن ما دام يؤدي الرسالة الله عز وجل يعصمه من الناس حتى يؤدي الرسالة.

﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 المنافقون الذين أظهروا الإيمان، أخذوا الغنائم، واغتنوا بعد مجيء رسول الله إليهم، الشيء الذي يلفت النظر أن هؤلاء الكفار، والذين أعلنوا إيمانهم كانوا منافقين، هؤلاء يقول الله عنهم:

﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ﴾

 أي باب التوبة مفتوح على مصراعيه لكل إنسان، لكل إنسان كافر، أو منافق، أو عاص، أو آثم، الله عز وجل يقول:

﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾

[ سورة النساء الآية: 27]

 والله يحب التوابين، ويحب المتطهرين:

(( إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر سواي، خيري على العباد نازل، وشرهم إلي صاعد، أتحبب إليهم بنعمي وأنا الغني عنهم، ويتبغضون إلي بالمعاصي وهم أفقر شيء إلي، من أقبل علي منهم تلقيته من بعيد، ومن أعرض عني منهم ناديته من قريب، أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا أنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم))

[ رواه البيهقي والحاكم عن معاذ، والديلمي وابن عساكر عن أبي الدرداء ]

 شيء دقيق جداً، الله عز وجل حبيب، أو طبيب، إن أطعته فهو الحبيب، وإن عصيته فهو الطبيب.

((أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا أنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد، والسيئة بمثلها وأعفو، وأنا أرأف بعبدي من الأم بولدها))

الدين أن تتعاون مع جهة واحدة هي الله عز وجل :

 إذاً الآية الكريمة:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ ﴾

 الإله يعلم، يعلم السر وأخفى،

﴿ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا ﴾

 فما كل شيء تريده يقع، الأمر بيد الله وحده:

﴿ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾

[ سورة هود]

 الإنسان لا يسمح الله له بفعل إلا لحكمة بالغة، وقد يريد أشياء كثيرة، لكن هذه الأشياء بعضها يحقق لحكمة بالغة وبعضها لا يحقق، الإنسان حينما يؤمن بالتوحيد، والدين هو التوحيد، وما تعلمت العبيد أفضل من التوحيد، ما التوحيد؟ ألا ترى مع الله أحداً، التوحيد أن ترى يد الله وحدها تعمل، التوحيد أن ترى أنه لا رافع ولا خافض إلا الله، ولا معز ولا مذل إلا الله، ولا معطي ولا مانع إلا الله، هذا التوحيد يجعلك تتوجه إلى الله وحده، والدين توحيد، والدين أن تتعاون مع جهة واحدة هي الله، إنه يعلم، لا يحتاج إلى إيصال، ولا إلى قسم، الله يعلم، يعلم كل ما يخطر في بالك، يعلم حركاتك وسكناتك، يعلم سرك وعلانيتك، يعلم ما تبطنه وما تظهره، فحينما تتعامل مع الله على أنه يعلم لابد من أن تنضبط، لذلك:

﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

 قدرته تتسع لكل شيء، حتى حينما تستمع إلى قصة أن هناك مرض عضال كالورم خبيث تم شفاؤه ذاتياً هذا شيء لا يستغرب أبداً، شيء طبيعي جداً، كن فيكون، زل فيزول، لذلك أنت حينما تتعرف إلى الله أنت مع من؟ مع خالق السموات والأرض، مع من:

﴿ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾

[ سورة يس]

 مع أن إرادة الله عز وجل تعمل وحدها في الكون، فإذا كنت مع القوي أنت قوي، أخذت قوتك من قوته، إذا كنت مع الغني أنت تستغني عن الناس، إذا كنت مع العزيز أنت تعز نفسك، لا تذلها، وقد ورد أنه:

(( لا ينبغي للمؤمن أن يُذِلّ نفسَهُ ))

[أخرجه الترمذي عن حذيفة بن اليمان ]

عظمة هذا الدين أنه يقوم على الوازع الداخلي :

 لذلك عظمة هذا الدين أن الإنسان باتصاله بالله يشتق الكمال من الله عز وجل:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾

[ سورة العنكبوت الآية: 45]

 هذا نهي الوازع لا نهي الرادع، نهي ذاتي، عظمة هذا الدين أنه يقوم على الوازع الداخلي.
 قال: يا أيها الراعي بعني هذه الشاة وخذ ثمنها؟ قال له: ليست لي- لسيدنا عمر، أو لابن سيدنا عمر في بعض الروايات- قال له: قل لصاحبها ماتت، أو أكلها الذئب، قال: والله إنني لفي أشد الحاجة لثمنها، ولو قلت لصاحبها ماتت أو أكلها الذئب لصدقني فإني عنده صادق أمين ولكن أين الله؟.
 هذا الراعي وضع يده على حقيقة الدين، وأنت في اللحظة التي تقول فيها أين الله؟ لا أفعل هذا، أنت مؤمن ورب الكعبة، أما هذا الذي يفعل شيئاً في الخفاء ويبدو أمام الناس في أحلى مظهر ديني فهو إنسان لا يعرف الله إطلاقاً، والمؤمن الحقيقي ظاهره كباطنه، وباطنه كظاهره، سره كعلانيته، وعلانيته كسره، لا يوجد عنده شيء مخفي، لا يوجد عنده موقف مزدوج، لا يوجد عنده موقف معلن وموقف مستهلك، لا يوجد عنده شيء إطلاقاً، عنده موقف واحد، فلذلك كما قال النبي الكريم:

((لقد تركتكم على مثل البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ بعدي عنها إلا هالك))

[ ابن ماجه عن العرباض بن سارية]

الإنسان بلحظة واحدة ينتقل من عالم إلى عالم :

 إذاً نعود لهذه الآية:

﴿ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾

 يروى أن رجلاً زعيماً كبيراً من زعماء قبائل العربية جاء إلى المدينة ليحارب النبي عليه الصلاة والسلام هو نعيم بن مسعود، كان زعيم غطفان، وله شأن كبير، وجاء ليحارب النبي عليه الصلاة والسلام، وهو في المعسكر خارج المدينة استيقظ ليلاً- أما أنا تأثرت تأثراً بالغاً في الحوار الذاتي، الحوار الذاتي شيء مهم جداً- قال: يا نُعيم- يخاطب نفسه- ما الذي جاء بك إلى هنا؟ من أجل أن تحارب هذا الرجل؟ ماذا فعل هذا الرجل؟ هل سفك دماً؟ هل انتهك عرضاً؟ هل سلب مالاً؟ أين عقلك يا نُعيم؟ انظر إلى هذا الحوار، هذا الحوار الذاتي، المنطقي، العقلاني، الهادئ، الواقعي، سبب إسلامه، فلما وجد نفسه بحالة غير مقبولة، يحارب إنساناً يدعو إلى الأخلاق، إلى الرحمة، إلى العدل، إلى الإنصاف، فقال: أين عقلك يا نعيم؟ فقام من توه، وتجاوز الحد بين المشركين - الذي جاؤوا ليقاتلوا النبي- وبين المؤمنين، ودخل على النبي الكريم، النبي تعجب منه أشد العجب، قال له: نُعيم؟ قال: نُعيم، قال: ما الذي جاء بك إلينا؟ قال: جئت مسلماً فلما أسلم بدقيقة واحدة انتقل من عالم الكفر إلى عالم الإيمان، قال له: ائمرني بما تشاء، قال له: أنت واحد يا نُعيم، قال له: ائمرني، قال له: خذل عنا، فلأنه عند اليهود مشرك، ومع الطرف الآخر، استطاع أن يجري الله الخير على يديه، ومعركة الخندق انتهت بهزيمة الكفار، والعنصر الفعال في ذلك هو نُعيم بن مسعود.
 أنت حينما تعرف الله الدنيا كلها فتحت لك، أنت حينما تعرف الله، الله عز وجل يوظفك عنده بأعمال كبيرة جداً.
 فهذا الرجل كان مشركاً، وسيموت مشركاً، وسيدخل جهنم إلى أبد الآبدين، لحظة تفكير منطقي، واقعي، عقلاني، لماذا جئت إلى هنا؟ من أجل أن تحارب هذا الرجل؟ ماذا فعل هذا الرجل؟ هو دعا إلى الله، دعا إلى الفضيلة، دعا إلى الصدق، إلى الأمانة، إلى الإخلاص، فآمن.
 فلذلك الإنسان بلحظة واحدة ينتقل من عالم إلى عالم.

الله عز وجل ينتظرنا أن نتوب إليه ويحبنا إذا تبنا إليه :

 إذاً الله عز وجل يقول لهؤلاء الذين ائتمروا على النبي وأرادوا قتله:

﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ ﴾

 باب التوبة مفتوح على مصارعه كلها، والله ينتظر أن نتوب إليه، ويحبنا إذا تبنا إليه، والدليل:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾

[ سورة البقرة]

﴿ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْراً لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

 في الدنيا هناك عذاب، وفي الآخرة هناك عذاب، الذي يعجب له الإنسان أن الإنسان حينما يتحرك بلا هدف، وبلا مبادئ صحيحة، وبلا حقائق يقينية، يتحرك حركة عشوائية، قد تكون هذه الحركة العشوائية بلا دليل، بلا حقائق، بلا منطلقات صحيحة، هذه الحركة تكون سبب هلاكه الأبدي في الدنيا والآخرة.
 فهذا الرجل الذي تحدثت عنه نُعيم بن مسعود، فكر تفكيراً صحيحاً، بلحظة تفكير صائبة، واقعية، ناصعة، بيضاء، آمن برسول الله، كان مشركاً فصار من كبار الصحابة، وقد أجرى الله الخير على يديه، وكانت هذه المعركة معركة الخندق قد انتهت بانتصار المسلمين، وهو عنصر فعال في هذا النصر.

البشر عند الله زمرتان لا ثالث لهما :

﴿ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ ﴾

 عجيب، سعادة في الدنيا والآخرة أو شقاء في الدنيا أو الآخرة؟ ذلك أن البشر عند الله زمرتان لا ثالث لهما، دقق:

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل]

 صدق أنه مخلوق للجنة، هذا الإيمان، هذا التصديق دفعه إلى أن يتجنب معصية الله، اتقى أن يعصيه، وهذا التصديق إلى الجنة دفعك إلى أن تتقرب إلى الله بالأعمال الصالحة، هذه زمرة،

﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ﴾

 الطرف الثاني:

﴿ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ﴾

[ سورة الليل]

 كذب أنه مخلوق للجنة، بل آمن أنه مخلوق للدنيا فقط، فاستغنى عن طاعة الله، وبنى حياته على الأخذ، لذلك الهرم البشري يقع على رأسه زمرتان، زمرة الأقوياء والأنبياء، الأقوياء أخذوا ولم يعطوا، الأنبياء أعطوا ولم يأخذوا، الأقوياء عاش الناس لهم، والأنبياء عاشوا للناس، الأقوياء ملكوا الرقاب، والأنبياء ملكوا القلوب، وشتان بين أن تملك رقبة الإنسان أو أن تملك قلبه، الأنبياء ملكوا القلوب، والأقوياء ملكوا الرقاب، الأنبياء يمدحون في غيبتهم، بعد ألف وأربعمئة عام يمدح النبي، والأقوياء في حضرتهم فقط، بل في غيبتهم قد تذمهم، والبطولة في الأقوياء أن يتخلقوا بأخلاق الأنبياء حتى يحبهم الناس.
 فلذلك أنا أتمنى من الأخوة المشاهدين أن يكونوا أتباع نبي، لأن أتبع الأنبياء يتخلقون بأخلاق الأنبياء، هناك صدق، وأمانة، ورحمة، وتواضع، وإنصاف، هذه الأخلاق التي جاء بها النبي، النجاشي سأل أحد أصحاب النبي سيدنا جعفر عن الإسلام فقال له:

((أيها الملك كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لتوحيده، ولنعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء ))

[أخرجه ابن خزيمة عن جعفر بن أبي طالب]

 وهذا هو المنهج الأخلاقي لهذا الدين العظيم، هذه العبادة التعاملية فضلاً عن العبادة الشعائرية.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS