2557
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة النساء - الدرس ( 07 - 58 ) : علة الأمر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
أيها الأخوة الكرام: الإنسانُ القوي أحياناً يأمرُ أمراً دونَ أن يُعلّلِهُ، هكذا عليكَ أن تُنفِّذ، لكنَّ خالِقَ الأكوان القوي العزيز حينما يأمُرنا يُعطي لأمرِهِ تعليلاً:

﴿ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾

(سورة العنكبوت الآية 45)

﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ﴾

(سورة التوبة الآية 103)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183)﴾

(سورة البقرة)

﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ﴾

(سورة النساء الآية 160)

 هُنا:

﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾

(سورة النساء الآية 46)

 الهُدى لهُ أسباب، واللعن لَهُ أسباب، والصلاة لها فوائد، والصيام له حِكم، والحج لهُ فائدة، فحيثما وجدت الباء هذه الباء السببية أي أنَّ هذا التصرّف الإلهي بسببِ هذا العمل، هذا من رحمةِ اللهِ بِنا من تكريمِهِ للإنسان، أنتَ حينما تأمُرُ إنساناً وتُحِبُ أن تُكرِّمَهُ تُعطيهِ التعليل، التعليل فيهِ تكريم للمأمور، أمّا إذا إنسان قوي والذي أمامهُ يحتقِرُهُ يُعطيهِ أمر يقول لَهُ نفّذ وانتهى الأمر، من دون أي تعليل، فحيثما قرأتَ أمراً في القرآن الكريم ووجدتَ تعليلَهُ: لَعَنَهُمْ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ، حرّمَ عليهم هذا بكسبِهم، حَجَبَهُم عنهُ بِضلالِهم،

﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (3)﴾

(سورة الزُمر)

لا يهدي من هو خوّان، فالنفي مُعلّل، والإيجابيّات معللّة وهذا من رحمة الله بالإنسان، هذهِ نُقطة.
 أيها الأخوة: المؤمن الصادق يتأدّب بآداب القرآن الكريم، بل إنَّ النبيَ عليهِ الصلاة والسلام حينما سُئِلَ عن هذا الأدبِ الرفيع الذي يتحلّى بِهِ فقال: " أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي "، كم مرةً تجلِسُ مع أُناسٍ يمدحونَ، أنفسهُم ويُزكوّنَ أنفسُهم، ويُثنونَ على أنفسِهم، هو وذكاؤُهُ وعملُهُ وبناتُهُ وأولادُهُ.. هوَ الأول.. وهذا مرضٌ نفسي يُصيبُ معظم الناس، التركيز كُلُهُ على شخصِهِ، أولادُهُ أفضلُ أولادٍ في الأرض، بناتُهُ أفضلُ بنات، عملُهُ أفضلُ عمل، إتقانُهُ أعلى إتقان، كلام فارغ، كلام فيهِ مبالغة، إذا تأدبتُم بآداب القرآن الكريم إقرأوا هذهِ الآية:

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾

(سورة النساء الآية 49)

 اللهُ عزّ وجل يذكُرُهم مادِحاً أم زامّاً، زامّاً إنهُ يُصِّغرُ عملَهُم، من أنتَ حتى تحكم أنّهُ أنا أفضل إنسان، هل التقيت مع الآخرين، يعني أنتَ متى تقول فُلان أفضل إنسان، هل التقيت مع كُل الناس، هذا الذي يُزكّي نفسَهُ، أو يُزكي من حولَهُ، أو يُزكي جماعتَهُ تزكيةً عمياء مبالغاً بِها ويطعن بالآخرين هذا إنسان مريض، هذا إنسان غير متوازن، اللهُ عزّ وجل لا يُريدُنا أن نكونَ كذلك أن نُزكّي أنفُسنا وأن نحتقر من حولَنا، أن نُزكّي أنفسنا وأن نتجاهل من حولنا، أن نُزكي أنفسنا وأن نطعن بمن حولنا:

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (49)﴾

(سورة النساء)

 يعني إذا أنتَ لم تمدح نفسك يعني عملك يذهب سُدىً،.. لا.. إذا أنتَ لم تُثني على نفسك يعني الله عزّ وجل لا يرى عملك الطيّب، ألا تعتقد أنَّ الله وحدَهُ يكفي أن يعلم، إن كُنتَ مُخلصاً اللهُ وحدَهُ يعلم وانتهى الأمر، مرةً قالَ لي رجل كلمةً أعجبتني قالَ لي: " الحمدُ للهِ على وجودِ الله " موجود ويعلم، فأنتَ حينما تعملُ لله، وحينما تُخلِصُ وجهَكَ لله، لا تحتاجُ إلى انتزاع ثناء الناس، ولا إلى أن تنتَزِعَ إعجابَهُم، أنتَ في غِنى عن ذلك، إخلاصُكَ يغنيك عن ثناء الناس، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ، نحنا أفضل جماعة، نحنا أعظم ناس، لماذا الكلام، هل التقيت مع كُل الجماعات فرأيتَ نفسَكَ أعظم الناس، لذلك عِندَ الإمام الشافعي ورد: " من لم يُعهد مِنهُ سفرٌ لم يُعهد مِنهُ عِلمٌ " الإنسان عندما يتسع أُفُقُهُ يعرف حجمُهُ، أقول لكم هذهِ الكلمة الدقيقة لكن أنتَ حينما توسّع آفاقك وتلتقي مع الآخرين وتذهب وترى، تصغُر لكنّكَ تصغُر لِتكبُر، في كِبر موهوب، الإنسان المُنعزل عن المجتمع يُكبّر بنفسِهِ كثير بالوهم، يتوهّم أوهام ليسَ لها أصل، إذا التقى مع الآخرين صُدِم، أمّا المؤمن موضوعي، أُفُقُهُ واسع، يلتقي مع الناس، هذا اللقاء، وهذا الإطّلاع، وهذا الانفتاح يجعَلُهُ يعرف حجمَهُ الحقيقي، فإذا صَغُرَ ليكبُر، أيام الإنسان لا يقرأ، لو قرأ لشاهد هُناك علماء كِبار في التاريخ الإسلامي، علماء عِندهم جُرأةٌ كبيرةٌ جداً، عِندهم تضحيةٌ وإيثار، عِندهم ورعٌ شديد، بيصغُر، أنتَ حينما تصغُر من أجلِ أن تكبُر، تصغُر لِتكبُر، أمّا حينما يعزِل نفسَهُ عن الناس عزلاً تامّاً ويعيش في أوهام، هوَ كبير في نظرِ نفسِهِ لكنّهُ صغيرٌ في نظرِ الناس، هذا مرضٌ يستشري بينَ المسلمين، كُلُّ جماعةٍ تدّعي أنّها وحدَها على حق، وأنَّ اللهَ لَها وحدَها، وأنَّ الجنّةَ لَها وحدَها، وتتعامى عن بقيّة المسلمين، وعن إخلاصِ المخلصين، وعن عملِ العاملين، وعن علمِ العالِمين، يتجاهلُهُ، وهذا مرضٌ يُصيب معظم الجماعات الإسلامية، كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى وليلى لا تُقِرُّ لهم بِذاكَ، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ، عوّد نفسَكَ أن لا تمدح نفسَك، اجعل الناسَ يمدحونك، لا تجعل نفسَكَ تحتَ الأضواء، اجعل نفسَكَ في التعتيم واللهُ لا يظلِمُكَ فتيلا، عملكَ محفوظ عِندَهُ وسوفَ يجعلُ من يُثني عليك: "ما ذكرني عبدي في نفسِهِ إلا ذكرتُهُ في ملأٍ من ملائكتي، ولا ذكرني في ملأٍ من خلقِهِ إلا ذكرتُهُ في ملأٍ خيرٍ مِنهُم".
 أنتَ تحدّث عن الله، وعن آيات الله، وعن كمالات الله، وعن كمالِ رسولِ الله، وعن كمالِ أصحابِ رسولِ الله، واجعل نفسَكَ تحتَ التعتيم واللهُ عزّ وجل هوَ الذي يرفَعُ لكَ ذِكرَك، أمّا أن تُثني على نفسِك وأن ترفعَها إلى أعلى عليّن وأن تُعتّم على الآخرين هذا ليسَ من سلوكِ المؤمنين الصادقين، هذا سلوك فيهِ نوع من الدُنيا، أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ بَلْ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ.
 في مرض ثاني مستشري، يعني كُلما جَلَسَ في مجلس لا يحلو لَهُ إلا أن يمدَحَ الكُفار وأن يَذُمَّ المؤمنين، كُفار منحرفين، منحلّين أخلاقيّاً، يعني أنا مرة أعجبتني قِصة تُعبِّرُ عنهُم تماماً: شابٌ في بلادِ الغرب أحبَّ فتاتاً فاستئذن والِدَهُ بالزواجِ مِنها، قالَ لَهُ لا يا بُني إنها أُختُكَ وأُمُكَ لا تدري، ثُمَّ أحبَّ فتاةً ثانية قال لَهُ الكلام نفسُهُ: إنها أُختُكَ وأُمُكَ لا تدري، ثُمَّ أحبَّ فتاةً ثالثة فقال: إنها أُختُكَ وأُمُكَ لا تدري، فانزعج هذا الابن و شكى إلى أُمِهِ، قالت لَهُ خُذ أيّاً شِئت فأنتَ لستَ ابنُهُ وهوَ لا يدري، يعني مجتمع مُنحل، مجتمع أعور يرى بعينٍ واحدة، مجتمع يعبُدُ إلهاً هوَ المال فقط، طيب أنتَ لا تستطيع إلا أن تُثني عليه وأن تّذُمَّ المؤمنين، هذهِ مُشكلة،

﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا سَبِيلاً (51)﴾

(سورة النساء)

 يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا، وهذا أصبح سلوك إسلامي دائماً نُثني على غير المسلمين، نمدح صِدقُهم وأمانتُهم وإتقانُهم، ونحتقر بعضُنا، ونطعن بِبعضُنا، إلى متى هذا، طيب إنسان عَرَفَ الله ولهُ أخطاء بسيطة أتُعمم، وإنسان يعيشُ بشهوَتِهِ.. وحوش.. يعني قُلتُ لكم ما يفعَلُهُ الأقوياء في الغرب بالشعوب الفقيرة والضعيفة والمسلمة شيء لا يُصدّق.. وحوش.. يعني يُعطيكَ من طرفِ اللِسانِ حلاوةً ويروغُ مِنكَ كما يروغُ الثعلبُ، ففي نُقطة دقيقة هُنا، هذا معنى أدّبني ربي فأحسنَ تأديبي، المؤمن يتأدّب بآداب القرآن لا يُثني على نفسِهِ، كما أنّهُ لا يُعظِمُ الكُفارَ ويَذُمُ المؤمنين، آيةٌ ثالثة:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

(سورة النساء الآية 58)

 أهم شيء في الآية الأمانات جاءت جمعاً ولم تأتي مفرداً، يعني أنتَ برقبتك مائة أمانة بدون مبالغة، أولادُكَ أمانة، زوجتُكَ أمانة، زبائِنُكَ أمانة، معنى أمانة يعني أنتَ طبيب جاءكَ المريض أرادَ أن يُعالِجَ نفسَهُ عِندَكَ فهوَ أمانةٌ في عُنُقِك يجبُ أن تؤديَ لَهُ حقَهُ بالمعالجة المُتقنة والمتأنيّة وأن تسأَلَهُ عن تاريخ المرض وعن بعض الخصائص في الأسرة أمّا المعالجة السريعة قد تُعطيهِ دواء يجعل عِندَهُ صدمة، أنتَ السبب، قد لا تسألَهُ عن شيء فأنتَ السبب، فالمريضُ أمانةٌ في عُنُقِ الطبيب، الموكّل أمانة في عُنُق المحامي، الطالب أمانة في عُنُق المدرّس، هذا البناء الذي سيسكُنُهُ الناس أمانة في عُنُق المهندس، طيب هذا بائع المواد الغذائية أمانة في عُنُق البائع يعني هذهِ المواد الغذائية يا ترى فاسدة، يا ترى فيها حشرات، الزبون أمانة في رقبتك واللهُ سوف يُحاسِبُكَ عن هذهِ الأمانة أتبيعُهم بضاعةً جيّدة، فأنتَ مُعلّقة بِعُنُقِك مئات الأمانات وكُلما تعمّقتَ في هذا الفهم ارتعدت مفاصِلُك حينما لا تؤدي الأمانات إلى أهلِها، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، يعني الولد أمانة يا أخوان إذا أنتَ أهملتُهُ وشبَّ على معصية الله، لم تُعرِّفهُ بِربِهِ، لم تَحملُهُ على طاعة الله، لم تهتمَّ بِهِ، لم تهتمَّ بتزويجِهِ، لعلَّهُ يفسُق، لعلَّهُ يفجرُ وهذا في عُنُقِ الأب، وهناك كلام يقولُهُ عوام الناس: أنا نشأت عصامي أريد لابني أن ينشأ هكذا، الآن الوضع صعب يحتاج لمساعدة مِنك، أمّا إذا أهملتُهُ ينشأُ في معصية الله، يعني أنا قبل أن آتي من سفري بيومين رجل مُقيم هُناك في بلاد الغرب في يوم واحد ابنه تنصّر وابنته تزوّجت بيهودي، في يوم واحد قبلَ أن آتي بيومين، طيب عندما أقام في هذهِ البلاد الجميلة فيها رخاء، فيها جمال، فيها أمور مُيسّرة، غابَ عن ذهنِهِ أنَّ أولادَهُ سوفَ لن يكونوا مُسلمين في المستقبل، غابت عن ذهنِهِ هذهِ، فلمّا فوجئَ بالحقيقة انهار، انهار فعلاً.. ماذا أفعل.. لماذا أنتَ هُنا، يعني سمعتُ فتوى هُناك رائعة جداً: " إن لم تضمن أن يكونَ ابن ابن ابنك مُسلماً يجبُ أن لا تُقيمَ في هذهِ البلاد ولا دقيقة "، إن لم تضمن أن يكونَ ابن ابن ابنك مسلماً، هوَ ابنه غير مُسلم الآن، ابنه الذي من صُلبِهِ، فابنك أمانة، إذا أنتَ أقمتَ في بلاد جميلة ورائعة والأمور فيها مُيسّرة وفُرص العمل كبيرة جداً، والبيوت مُيسّرة لكن لا تضمن أن يكونَ ابنك مُسلماً، دفعت أبهظ ثمن، دفعت ثمن لا يُعوّض.
 فيا أيها الأخوة: الابن أمانة، البنت أمانة، أنتَ لم تُعلِّمُها، تقوم بتزويج ابنتك أمانة أنتَ لم تختر لها الزوج المناسب، فهذهِ كُلُها أمانات، عملك أمانة، اختصاصك أمانة، حرفَتُكَ أمانة، مهنَتُكَ أمانة، طِبُكَ أمانة، هندَسَتُكَ أمانة، قضائك أمانة، تدريسك أمانة، إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، هذا مفهوم كبير، بالمناسبة كُنتُ أقول أنَّ الإنسان عندما يقرأ كتاب تافه ينتهي من قِراءَتِهِ ويتثاءب وينام، أمّا حينما يقرأ كتاب قيّم ينتهي من قِراءَتِهِ فتبدأُ متاعِبُهُ، فالحقيقة مُرّة أنتَ سوفَ تُحاسَبُ عن أولادِك، وعن بناتِك، وعن اختيارك لأزواجِ بناتِك، وعن حِرفَتِك، وعن عملِك، وعن من تعلّقَ بِكَ، وعن كُلِّ من تأثّرَ بِكَ تأثيراً سلبيّاً.
هُناك نُقطة دقيقة جداً لكن تحتاج إلى فهم دقيق، قال تعالى:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

(سورة النساء الآية 59)

 واضحة ولمّا جاءت طاعة رسولُ اللهِ مقرونة بأطيعوا الثانية يعني أنتَ مُكلّف أن تُطيعَ رسولَ الله دونَ أن تنظُرَ إلى شيءٍ آخر، مأمورٌ أن تُطيعَهُ، أطيعوا اللهَ في قُرآنِهِ وأطيعوا الرسولَ في سُنّتهِ، قال:

﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

(سورة النساء الآية 59)

 ما في وأطيعوا أُولي الأمرِ مِنكُم، يعني أولي الأمرِ هُم العلماء والأُمراء لا يُطاعونَ إلا بما جاءَ بِهِ رسولُ الله، يعني لا طاعةَ لمخلوقٍ في معصيةِ الخالِق، طاعةُ أولي الأمرِ العلماء أيّ إنسان يدعو إلى الله يجبُ أن تُطيعَهُ ضِمنَ طاعةِ الله، أمّا أن يأمُرُكَ بما يُخالِفُ سُنّةَ رسولِ الله لا طاعةَ لَهُ، لو أمَرَكَ بقطيعةِ الرِحم لا طاعةَ لَهُ، طاعُةُ أولي الأمرِ والإمامُ الشافعي يقول: " أولي الأمرِ هُم العلماء والأُمراء مرتبطةٌ بِطاعةِ الله "، الآن:

﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

(سورة النساء الآية 59)

 مع من تنازعتُم، مع أُولي الأمرِ فقط يعني مع العلماء، عالِم ادعى شيء، عالِم جاء بشيء ما جاءَ بِهِ السلفُ الصالح، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، يعني اجعلوا الكتابَ والسُنةَ حكماً فيما بينكم وبينَ من تُنازِعونَهُ، طيب هُنا النُقطة الدقيقة: اللهُ عزّ وجل في أي نِزاعٍ بيننا وبينَ من يدّعي العِلم، في أي نِزاعٍ بيننا وبينَ من يدّعي الأمر من هوَ المرجع ؟ اللهُ ورَسولُهُ، طيب معقول أن تنشأ مُشكلة في المستقبل ليسَ لها في المرجعية وجود، اللهُ قالَ لك ارجع إلى الكتاب والسُنّة، فلم نجد شيء في الكتاب والسُنّة، في عنّا مُشكلة مُعاصِرة موضوع التأميم مثلاً، في ألف مُشكلة مُعاصرة لا نجد لها في الكتاب والسُنة شيئاً، هذا من جهلِنا طبعاً، حينما أحالَكَ اللهُ إلى كتابِهِ وإلى سُنّةِ نبيِّهِ معنى ذلك أنَّ هذا المنهج كامل فيهِ كُل شيء، كُل شيء، يعني حتى مما خَطَرَ في بالي وأنا هُناك أنَّ هؤلاءِ الذينَ ماتوا في الطائرة التي سقطت، ستٌ وثلاثون ضابط متدرّب بأعلى مستوى، ماذا قالَ اللهُ عزّ وجل، قالَ:

﴿ وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾

(سورة يوسف الآية 67)

 يعني خطأ كبير جداً أن يكونَ ستٌ وثلاثون ضابط متدرّب بأعلى مستوى لصالح من يموتون، لصالِحِ أعدائِنا، إذاً التدبير من أعدائِنا، إذاً هُناك من لَعِبَ بجهاز الطائِرة الآلي، سقطت فجأة بِلا سبب، هذهِ آية قرآنية، كُل شيء في القرآن الكريم، يعني كُل شيء بِدقّة بالِغة، طيب إذاً حينما أحالَنا اللهُ إلى الكتابِ والسُنّة معنى فيهُما كُلُّ شيء لكن هذا تقصير مِنّا.
آخر نقطة في هذا اللِقاء إن شاءَ الله: دائماً المنافق إذا دعوتَهُ إلى الكتابِ والسُنّة ينزعّج، هذهِ أول صِفة:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (61)﴾

(سورة النساء)

 لا يُريد أن يحتكم إلى اللهِ ورسولِه، يُريد أن يحتكم إلى أهل الأرض، إلى تشريعات الأرض، إذا واحد معهُ القانون، انتبهِوا لهذهِ النُقطة، كثيراً هناك أشخاص عِندهُم حاسة سادسة تُحل قضيتُهُ بالقوانين، في عدل بالبلد، وفي أنظمة وفي قوانين وفي محاكم، هذهِ المحاكم أمامك، أيام في قضايا القوانين مُغلقة منزل مُستأجر قبل السبعين ليسَ لَهٌ حل بالقانون، المُستأجر شبه مالِك وقتها يُريد الشرع، يُريد شرع الله يقول نحنُ إسلام، يعني معنا كِتاب، هوَ يقول خزعبلات، إذا حُلت مُشكِلَتُهُ بالشرع يُريد الشرع، وإذا حُلت بالقانون يُريد القانون، هوَ يُريدُ مصلحَتَهُ فقط، هذا النموذج المنافق مرفوض في القرآن الكريم، قال: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا، ثُمَّ يقولُ اللهُ عزّ وجل:

﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (65)﴾

(سورة النساء)

 علامةُ إيمانِكَ أنكَ ترضى لِحُكمِ اللهِ وحُكمِ رسولِهِ، مرة قالَ لي أخ: اختلفتُ مع زوجتي قال أنا وإيّاها في ثلاثين عام بأعلى درجة مِنَ الوِئام فاختلفنا في موضوع إنجاب ولد، الخِلاف استشرى وصار في نفور في البيت وأصبحت أغيب عن البيت كثيراً، وقالَ لي ثمَّ ألهمني اللُهُ أن أقول لِها هذهِ الكلمة " أتقبلينَ بِحُكمِ الله " قالت نعم، فسألوا عالِم فأعطاهُم فتوى وقاموا بتنفيذِها. علامة إيمانَك أنّكَ ترضى بِحُكمِ الله، إذا قيل لكَ هذا توجيهُ النبي انتهى الأمر، فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا.
يعني بقي شيء واحد، يقولُ الله عزّ وجل:

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (64)﴾

(سورة النساء)

 يعني هذا النبيُ الكريم الذي جاءَ بِسُنّتِهِ المُطهّرة أنتَ حينما رفضتَ هذهِ السُنّة ثُمَّ اصطلحت مع الله يجبُ أن تصطلِحَ معَ رسولِ الله تكريماً لَهُ، يعني أنتَ حينما لم تعمل بِسُنتِهِ جافيتَهُ فإذا أردتَ أن تصطَلِحَ مع الله يقول لكَ اذهب إلى رسولِ الله، وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَاءُوكَ، طبعاً في حياتِكَ وبعدَ مماتِكَ، فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ، هوَ التوحيد، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا، يعني من لم يشكُر الناس لم يشكُر الله، لا توحّد توحيد مع جفاء، وحّد توحيد مع اللُطف، الذي لَهُ كان سبب في هِدايَتِك ينبغي أن تكونَ وفيّاً بِحقِهِ.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS