4708
أحاديث رمضان 1420 - تفسير آيات - سورة البقرة - الدرس ( 03 - 58 ) : الإنفاق.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-12-10
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الأخوة الكرام: في هذه الآيات التي تُليت اليوم آيات الإنفاق، والإنفاق ينقُلُنا إلى موضوعِ أنَّ الحياة الدنيا دارُ ابتلاء بينما الآخرة دارُ جزاء، والحياةُ الدنيا دارُ تكليف بينما الآخرة دارُ تشريف، وحينما تعتقدُ أنَّ هذهِ الحياة الدنيا دارُ ابتلاء لقولِهِ تعالى:

﴿ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (30)﴾

(سورة المؤمنون)

 موازين الحياة تختلف عن موازين الآخرة، موازين الدنيا يُقيّمُ الإنسان بقدرِ إنفاقِهِ أمّا في الآخرة لهم ما يشاءون فيها، لمجرّدِ أن تشتهي شيئاً فهو أمامك لأنها دار تكريم، دار تشريف، دار عطاء، دار نعيم مُقيم، في الدنيا دار ابتلاء، فالحظوظ أيها الأخوة، كلمة حظوظ... المال حظ، الذكاء حظ، الوسامة حظ، القوة حظ، القدرات العامة التي يمنحُها اللهُ للإنسان هذهِ حظوظ، الحظوظ في الدنيا موزعةٌ توزيعَ ابتلاء أنتَ مُمتحن، وأنتَ لا تشعُر ممتحن كُل يوم مئات المرات، ممتحن في مادتين: المادة الأولى فيما أعطاك، والمادة الثانية فيما منعك، الذي أعطاكَ اللهُ إياه ممتحنٌ بِهِ هل تشكُرُ اللهَ عليه، هل ترى نفسَكَ مفتقرٌ إلى اللهِ بهِ، هل تتواضعُ وهوَ في حوزتِك، هل تُنفِقُ منهُ في سبيل الله، والذي مُنِعتَ منهُ أنتَ ممتحنٌ بِهِ، هل أنتَ راضٍ عن اللهِ وقد مَنَعَك، هل أنتَ صابر، هل أنتَ متجمّل، هل أنتَ راضي، فأنتَ ممتحنٌ فيما أعطاك وممتحنٌ فيما مَنَعَك، وما في واحد من إخواننا الحاضرين ولا من أي إنسان في الأرض إلا ويتمنى شيء حصّلَهُ وشيء لم يُحصِّلُهُ، قد يمنحُ اللهُ النجاحَ في زواجِهِ ولا يمنحُ النجاحَ في عَمَلِهِ، قد يمنحُ النجاحَ في عَمَلِهِ ولا يمنحُ النجاحَ التامَّ في زواجِهِ، وقد يأتيهِ أولادٌ أبرار وقد تأتيه ذُريّةٌ شريرة، هوَ ممتحن فيما أعطاهُ الله وممتحنٌ فيما مَنَعَهُ، البطولة أن تنجَحَ في الامتحان، النقطة الدقيقة جداً: بطولة المؤمن لا أن ينالَ ما يُريد، بل أن يَقِفَ الموقِفَ الكامل فيما أرادَهُ اللهُ لَه، لا أن ينالَ ما يُريد، لا أن يُحقِقَ كُلَّ أمانيهِ في الدنيا، بطولة المؤمن أن يكونَ كاملاً فيما أرادَهُ اللهُ لَهُ.
 النبيُ عليهِ الصلاةُ والسلام ذاقَ النصرَ في مكة، عِندَ فتحِ مكة فدخلها مُطأطِأَ الرأسِ تواضُعاً للهِ عزّ وجل شاكراً لله، ولم تأخُذهُ عِزّةُ الفاتحين ولا غطرستُهُم ولا علوُهم في الأرض، أمّا في الطائف قُهِر فلما قُهِر قال " ربي إن لم يكُن بِكَ غضبٌ عليَّ فلا أُبالي ولكَ العُتبى حتى ترضى "، في موقف افتقر: أعندكم شيء قالوا لا قال فإني صائم، في موقف اغتنى لمن هذا الوادي قالَ هوَ لَكَ قال أتهزأُ بي ؟ امتحن بالفقر فنَجَح، امتحن بالغِنى فنَجَح، امتحن بالقهر فنَجَح، امتحن بالنصر فنَجَح، امتحن بموت الولد، امتحن بمشكلةٍ زوجيةٍ عويصةٍ جداً أن يقولَ الناسُ عن زوجتِهِ أنها زانية " حديث الإفك "، امتحن بأنّهُ أُجتُثَّ من جذورِهِ وهاجَرَ إلى المدينة، امتحن ببعض المشكلات الزوجية في حياتِهِ اليومية، فالحياة امتحان، حينما تنطلق من أنَّ الحياة الدنيا دار ابتلاء عَرَفتَ حقيقتها: " إنَّ هذه الدنيا داء التواء لا دار استواء ومنزل ترحٍ لا منزلُ فرح فمن عَرَفَها لم يفرح لِرخاء ".
 فالموضوع الأول موضوع الابتلاء، الحظوظ موزّعة في الدنيا توزيع ابتلاء، لكنّها سوفَ توزّعُ في الآخرة توزيعَ جزاء، يعني ليسَ الغني في الدنيا هو الغني، الإمام علي يقول: " الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله "، لا يُسمّى الغنيُ غنياً إلا في الآخرة، ولا يسمى الفقير فقيراً إلا في الآخرة، أمّا قد يكونُ غني الدنيا فقير الآخرة، وقد يكونُ غني الدنيا غني الآخرة، وقد يكونُ غني الدنيا فقيرَ الآخرة، فالعِبرةُ أن تنجَحَ في الامتحان هُنا والعِبرةُ أن تُحصِّلَ مقعدَ صِدقٍ عِنَدَ مليكٍ مقتدر غداً، أن تُحصِّلَ هذا المقعد مقعدَ الصِدق عِندَ مليكٍ مقتدر يكونُ بِنجاحِكَ في الامتحان لا بأن تنالَ ما تشتهي، الآن مقياس الناس: فُلان حصّل مال هنيئاً لَهُ، فلان حصّل جاه هنيئاً لَهُ، مقياس الدُنيا فُلان امتحن فنَجح، لا تقُل هنيئاً إلا لمن امتحن فنَجَح، أنتَ ممتحن فيما أعطاك ممتحن فيما مَنَعَك، هذهِ أول حقيقة، لو ضربنا مثل بسيط أوضح مثل مثل المال، لو أنَّ رجلين عاشا ثمانينَ عاماً امتحنا بحظ المال الغني رسب والفقير نجح الفقير سوفَ ينعُمُ بعطاءِ اللهِ في الجنةِ إلا أبد الآبدين والغني سوفَ تمضي أيامُ غِناهُ سريعاً وسوفَ يقعُ في شرِ عملِهِ إلى أبد الآبدين، فالعِبرةُ كما قالَ الإمام علي: " الغِنى والفقر بعدَ العرضِ على الله "، البطولة لا أن تنالَ من الدنيا ما تشتهي، بل أن تَقِفَ الموقِفَ الكامل فيما أرادَهُ اللهُ لَك، في الغِنى شاكر، في الفقر صابر، في القوة متواضع، في القهر ترجو رحمة الله، في كُل مصيبة تصبِرُ عليها، هذهِ ناحية أيها الأخوة.
 الناحية الثانية: الإنسان في بالدنيا ما يُسمى بالإثنينيّة يعني في حق وفي باطل، في خير وفي شر، في إنسان رباني وإنسان شهواني، في إنسان يأتمر بإلهام الملائكة وفي إنسان يأتمر بوسوسة الشيطان، لذلك الله عزّ وجل يأمُرُنا أن نُنفق، الطرف الثاني والشيطاني:

﴿ الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ﴾

(سورة البقرة الآية268)

 كُنا في حفل خيري فأحد المتكلمين قال: أنا والدي علّمني درساً، هذا الدرس أنّهُ كلما أردتَ أن تُنفِقَ نفقةً وجاءتك نفُسُكَ متلبسةً بالشيطاني وخوّفتكَ من هذا الإنفاق يعني وعدتك الفقر: الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ فعاقِبها، قال لَهُ يا أبت كيفَ أُعاقِبُها ؟ قال ضاعف المبلغ، كلما أردتَ أن تُنفِقَ نفقةً وقالت لَكَ نفسُكَ كيفَ وكيف فضاعف المبلغ تأديباً لها لأنَّ الله عزّ وجل واسعٌ عليم، في موضوع الإنفاق يوجد نقطة دقيقة، الإنسان عندما يُقدم هدية لإنسان يحرص على كتابة بطاقة واحدة داخلية وواحدة خارجية أنَّ فلان الفلاني يتمنى لكم دوام الصحة والعافية إذا كان بمناسبة مرض، فأنتَ إذا قدمت هدية ثمينة في عندك حِرص كبير جداً أن يعلمَ الذي قدمت لَهُ هذه الهدية أنها مِنك، أيام يدخل اثنان لِعند مريض وواحد معهُ هدية فالثاني حريص أنَّهُ والله نحنُ لا يوجد شيء من واجبك فكل إنسان يُنفق حريص أن يعلمَ الطرف الثاني أنّهُ أنفق، دقق، ربنا عزّ وجل قال:

﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (270)﴾

(سورة البقرة)

 يعني لا تحتاج إلى وصل ولا إلى شاهد، عِندَ الله.... وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ، هذه أول نقطة، يعني لو أنفقتَ نفقةً سِراً، لو أنَّ يدكَ اليمنى أنفقت واليُسرى لم تعلم فإنَّ الله يعلمُه، ليس فقط يعلمه يعني أنتَ أنفقت درهم وفي إنسان أنفق ألف درهم، لعلَّ هذا الدرهم سَبَقَ ألف درهم، يعني إنسان ميسور جداً يتكلم بالملايين أحب أن يُعمر جامع فاختار أرض وكلّف مهندس من إخواننا أن يشتري لَهُ أرض ويُعمّرها له فالأرض مناسبة جداً وصاحِبُها ورثها من شهر فقير جداً يعمل مستخدم في مدرسة ومعاشُهُ أربعة آلاف ليرة وعنده ثمانية أولاد، فالسعر كان مناسب 3.5 مليون والقصة وقعت قبلَ سنوات والجامع قائم، فجاء صاحب المشروع الخيري إنشاء المسجد ليرى الأرض والتقى بصاحب الأرض والسعر مناسب جداً واتفقوا وقالَ لَهُ هذه مليونا ليرة دفعة أولى والمليون والنصف عِندَ التنازل، فسألَهُ الآذن أيُّ تنازل ؟ فقال صاحب المشروع للأوقاف، فسأل صاحب الأرض لماذا ؟ فأجاب صاحب المشروع من أجل أن يكونَ هنا مسجداً، كان كاتب الشيك بمليونين فأمسكَ الآذن الشيك ومزّقَهُ وقال: أنا أولى أن أُقدِمَها للهِ مِنك وقدّمها.
 طيب الذي معهُ 200 مليون ودفع 3.5 مليون، هذا الآذن لا يملك من هذهِ الدنيا إلا هذه الأرض وهوَ في فقرٍ مُتقع، يقول الرجل الغني: في حياتي لم أصغُر أمام شخص " في حياتي " كما صَغُرت أمام هذا المستخدم الذي قدّمَ هذهِ الأرض ولا يملِكُ غيرَها للهِ عزّ وجل، والآن المسجد من أروع المساجد في أحد أحياء دمشق. فأول شيء أي شيء تُنفِقُهُ اللهُ يعلَمُهُ، لكن يوجد نقطة ثانية مهمة جداً:

﴿ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ (272)﴾

(سورة البقرة الآية272)

 أضعاف مضاعفة وأنتم لا تُظلمون، والله شيء رائع، يعلَمُهُ وسوفَ يُرّدُ لكم أضعافاً مضاعفة وهذا معنى قولِهِ تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (245)﴾

(سورة البقرة)

 ونحنُ في شهرِ رمضان، شهرِ الإنفاق، ومادامَ الحديثُ عن الإنفاق، الذين يستحقونَ الإنفاق هم الذين يحسبهم الجاهِلُ أغنياء من التعفف:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

(سورة البقرة)

 إذاً: الذي ينبغي أن تُعطيَهُ لا يسألُكَ وتظنُهُ غنياً، وأنَّ الذي ينبغي أن لا تعطيَهُ يُثقِلُ عليك ويُلِحُّ عليك وتراهُ فقيراً وقد يكونُ غنياً، يعني والله أنا أحد إخواننا الله يجزيه الخير ساهم بمكافحة التسول في البلدة قال لي جمعنا ألف وخمسمائة متسول وحققنا معهم واحداً واحداً، الشيء الذي لا يُصدق أنَّ خمسةً منهم كانوا فقراء، وأنَّ أحدهم يملك أربعين مليون ليرة، وإنسان يملك سبعمائة ألف، وإنسان مليونين، وكلها حسابات في البنوك، أمّا منظرهُ تقول يموت من شدة الجوع، من هذا الذي ينبغي أن تُعطيَهُ ؟ الذي لا يسألُك والذي تحسَبُهُ غنياً هكذا قالَ اللهُ عزّ وجل:
يَحْسَبُهُمْ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنْ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
 ماذا يُستنبط من هذهِ الآية ؟ أنَّ الذي ينبغي أن تُعطِيَهُ لا يسألُك، ولا تراهُ فقيراً تراهُ غنياً، ينبغي أن تبحَثَ أنتَ عنه، ينبغي أنتَ أن تُحقق، ينبغي أنتَ أن تستحصي الحقائق، ينبغي أنتَ أن تسعى إليه، إنهُ لا يسعى إليك إنهُ عفيفٌ عن أن يسألَك، إنهُ متجملٌ لا يشكو، في شخص إذا جلست معهُ دقيقة تتحطم من همومِهِ، مباشرةً وضعُهُ ومنزِلُهُ.... عليكَ بطول البال فالله هوَ الغني، يعني:

ملكُ الملوكِ إذا وهب قُم فاسألن عن السبب اللهُ يُعطي من يشاءُ فقِف على حدِّ الأدب

ما في إنسان يفتَحُ على نفسِهِ بابَ مسألةٍ إلا فَتَحَ اللهُ عليهِ بابَ فقرٍ، وما في إنسان استغنى عن عطاء الناس إلا أغناهُ الله، قال جميلٌ جداً أن يُعطيَ الغنيُ الفقير وأجملُ من هذا أن يتعفف الفقيرُ عن مال الغني يعني في توازن.
 أيها الأخوة: في نقطة دقيقة جداً في الإنفاق، نحنُ عندنا قوانين رياضية: أنتَ أقرضتَ مائة ألف قرض حسن، هذا القرض بسحب القوانين المستنبطة من حركة الحياة خاسر، في تضخم نقدي بالسنة بالمائة 17، أنتَ أقرضت مائة ألف وتسلمتها بعد عام 83 ألف، كقوة شرائية قد تكون قد أخذتها مائة ألف أمّا قوتها الشرائية 83 ألف فأنتَ خاسر، على الآلات الحاسبة أنتَ خاسر، على قوانين حركة الحياة أنتَ خاسر أمّا في القرآن رابح قال:

﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (276)﴾

(سورة البقرة)

 القرض الربوي ممحوق، والقرض الحسن مُبارك فيه، معنى ذلك: في عنّا قوانين مرئية، وعنّا قوانين لا تراها أنت، قوانين لا تراها أنت، يعني اللهُ عزّ وجل قادر إذا أنت أقرضت قرض حسن وعاد لكَ بعد سنة ناقص بالمائة 17 قام بتيسير لكَ رِزق لا تحلم بِهِ من دون جُهد منِك، هذا مكافأة على هذا القرض، دائماً في عندك مشكلة أنّهُ أحياناً في رؤية محدودة ترى أنَّ طاعة الله عزّ وجل فيها خسارة، والقرض الربوي واستثمار المال بالبنوك، والدخول في هذهِ المضاربات العالية في العالم، والسندات العالمية والاستثمارات أربح، يعني ربح مضمون لا يدعوك تخسر بالعكس دائماً يجعلونك الرابح، لِحكمةٍ بالغةٍ بالغة أرادها الله عزّ و جل قد تجد أنَّ مصلحتُكَ في المعصية وأنَّ الطاعة فيها خسارة، هذا ثمن الجنة، حينما تجد ذلك وتؤثر طاعةَ اللهِ وتضعُ مصلحَتَكَ تحتَ قدمك فأنتَ الآن على خطوات أهلِ الجنة، هذا الذي يقولُ اللهُ عنه:

﴿ وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)﴾

(سورة النازعات)

 إذاً: موضوع اليوم موضوع الإنفاق لمن ؟ اللهُ يعلَمُهُ واللهُ عزّ وجل سيُعوِّضُهُ عليكَ أضعافاً مضاعفة، وينبغي أن تبحثَ أنتَ عن الفقير المتعفف الذي تحسَبُهُ غنياً والذي لا يسألُ الناسَ إلحافاً، وينبغي أن تعلمَ أنَّ الإنفاقَ متناقِضٌ مع الطبع، وأنَّ تناقُضَ الإنفاقِ مع الطبع هوَ ثمنُ الجنة، وكانَ عليهِ الصلاة والسلام في رمضان سخيّاً جواداً كالريحِ المرسلة، يعني رمضان فيه معالم: أول معلم الإنفاق، ثاني معلم القرآن شهرُ القرآن، ثالث معلم المبالغة في غضِّ البصر، رابع شيء ضبط اللِسان - ضبط الجوارح - ضبط الإنفاق - ضبط الدخل، خامس شيء قيامُ الليل وصيام النهار:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

(أخرجه البخاري)

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

(أخرجه البخاري)

 رمضان شحنةُ العام، صلاة الجمعة شُحنة الأسبوع، الصلوات الخمس كُلُّ صلاة شحنةٌ إلى الصلاة التالية، أمّا الجمعة شُحنةُ الأسبوع، أما رمضان شُحنةُ العام، ثلاثين يوم دورة تدريبية مكثّفة، هناك ما يُسمّى بالتعليم دورات مكثّفة، يعني ممكن كل يوم في قيام الليل ساعة ونصف تقريباً بين صلاة ودرس، وبالنهار في امتناع كامل عن الطعام والشراب وسائر المنهيات، وفي غض بصر وفي ضبط لسان وفي ضبط جوارح وفي إنفاق وفي تعلّم القرآن، هذهِ معالم رمضان، فإذا الإنسان اللهُ عزّ وجل سَمَحَ لَهُ أن يصومَ هذا الشهر صياماً صحيحاً غَفَرَ اللهُ لَهُ ما تَقدّمَ من ذنبه، ونحنُ أمام فرصةٍ ذهبية لا تُعوّض أنّهُ إذا جاءَ العيد فأنتَ عتيقٌ من النار، والله شيء حلو، والماضي يُطوى في ثانية، الماضي يُطوى هكذا، فنحنُ ننتظرُ رحمة اللهِ في رمضان والعِتقَ من النار.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS