6250
أحاديث رمضان 1419 - موضوعات إسلامية عامة - الدرس ( 17 - 26 ) : حتمية يوم البعث - القلب السليم - الفطرة والصبغة.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1999-01-04
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله العلمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.
أيها الأخوة الكرام... في سورة الشعراء قوله تعالى:

﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (83) وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (84) وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ (85) وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87)﴾

( سورة الشعراء )

 هنا.. يوم يبعثون.. هذا اليوم واقعٌ لا محالة، قال تعالى:

﴿ أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (1)﴾

( سورة الماعون )

 قال تعالى:

﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ (1)﴾

( سورة الفيل )

 الجواب: لم نر ذلك، ولا النبي رأى ذلك، ولكن الله أراد أن خبره كأنه مَرْئِيّ لمصداقية وقوعه، فيوم القيامة، يوم البعث، يوم الدينونة، يوم الجزاء، الحاقة، الواقعة، الطامة، هذه كلها أسماء يوم القيامة، هذا اليوم واقعٌ لا محالة، قضية وقت، كل متوقعٍ آت، وكل آتٍ قريب، في حكم أنه وَقَع، حتى أن بعض العلماء يقولون في قوله تعالى:

﴿ وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117)﴾

( سورة المائدة )

 إذا قال.. فعل ماض.. لماذا جاء هذا الحوار بصيغة الماضي ؟ لأنه كأنه وقع، لأنه متحقق الوقوع، حينما يأتي في القرآن الكريم الفعل الماضي في معنى المستقبل، بمعنى أنه قد تحقق الوقوع، لأنه كلام الله عزَّ وجل، فهذا اليوم الله عزَّ وجل يخبرنا عن هذا اليوم..

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

 قال تعالى:

﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

( سورة الكهف: من آية " 46 " )

 القلب السليم رأس مالك في الآخرة، كل مشكلات الدنيا تنتهي عند الموت، كل الأمراض تنتهي عند الموت، كل المصائب تنتهي عند الموت، كل الفجائع تنتهي عند الموت، كل شيء مؤلم ينتهي عند الموت، ولكن أمراض القلب تبدأ عند الموت، مشكلات الدنيا تنتهي عند الموت والدنيا محدودة، لكن مشكلات القلب تبدأ عند الموت وما بعد الموت إلى أبد الآبدين، هذه الآية أيها الأخوة والله لو لم يكن في كتاب الله إلا هذه الآية لكفت:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

 الناس يتهافتون على كسب الأموال، وعلى تربية الأولاد تربيةً دنيوية من أجل أن يفتخروا بهم، ومن أجل أن يعلو في الأرض، والله عزَّ وجل يخبرنا أنه في هذا اليوم:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

( سورة الشعراء )

القلب السليم سبب سعادتك الأبدية، القلب السليم سبب نجاتك من النار، القلب السليم ثمن دخول الجنة.
 كيف يكون القلب سليماً ؟ القلب فيه أحقاد، فيه حسد، فيه بغي، فيه استعلاء، فيه غطرسة، فيه تجبر، فيه لؤم، فيه أنانية، فيه قذارة أحياناً، فيه نفاق، أمراض القلب مهلكة تبدأ عند الموت، وتُشْقِي صاحبها إلى أبد الآبدين، بينما أمراض الجسم تنتهي عند الموت.. إنسان مؤمن أصيب بمرض خبيث، سنة سنتين انتهى، لقي الله عزَّ وجل والله عنه راضٍ، هذا المرض الوبيل الذي ترتعد له فرائص الناس، أَلَمَّ به وعند الموت انتهى منه، بقي في جنةٍ عرضها السماوات والأرض، المؤمن قد يفتقر، والفقر ينتهي عند الموت، المؤمن قد يتألَّم، قد تأتيه مصيبة، كل مصائب الدنيا تنتهي عند الموت، إلا أمراض القلب تبدأ عند الموت، وتُشْقي صاحبها إلى أبد الآبدين، فهذه الآية الصغيرة:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 إخواننا الكرام... القلب السليم فيه شيئان، فيه فطرة، وفيه صبغة، كل إنسان على وجه الأرض له فطرةٌ سليمة، يحب الخير، يحب العدل، يحب الرحمة، أن تحب الرحمة شيء، وأن تكون رحيماً شيءٌ آخر، أن تحب العدل شيء وأن تكون عادلاً شيءٌ آخر، حتى اللِّص، حينما تكون عصابة لصوص ويسرقون، يقول له: أحكم بالعدل، أنتم كل عملكم في الأساس ظلم، يقتسمون أموالهم بالعدل، لأن العدل صفة النفس، هذه فطرة النفس، فإنسان يحب الكمال هذه من دون جهد، هذه فطرية، ليس لها جهد إطلاقاً، كل إنسان يعجب بالمروءة، يعجب بالشجاعة، يعجب بالكرم، في مواقف أي إنسان يهتز لها، أي إنسان يبكي لها، هذا البكاء، وهذا التأثُّر لا يرفعه عند الله لأن هذه الفطرة التي فُطِرَ عليها، أما الذي يرفعك عند الله لا أن تحب العدل أن تكون عادلاً، لا أن تحب الرحمة أن تكون رحيماً، لا أن تحب الاستقامة أن تكون مستقيماً، فلذلك القلب له فطرة وله صبغة، الفطرة فطرية ولا ثواب للإنسان بها، هكذا جُبِل، هكذا فُطِر..

﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾

( سورة القيامة )

﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)﴾

( سورة الشمس )

 ولكن بطولتك أن يكون هذا القلب طاهراً من الحقد، من الحسد، من البَغْي، من العدوان، من حب الذات، أعظم ما في الأنبياء هذه الأخلاق العالية التي هي انعكاسٌ لقلبهم السليم، قلب سليم، ما فيه استعلاء على أحد، في أمراض نفسية الآن لا تحتمل من الناس، هذه كلها أعراض الإعراض، الإعراض عن الله يفضي بصاحبه إلى الحسد، وإلى البغي، وإلى العدوان، وإلى الكِبر، وإلى الأنانية، وأن يعيش على أنقاض الناس، كل الذي يؤلمكم في الحياة العامة، وفي العالم، في أخبار لا تحتمل، أخبار العدوان، أخبار التجَبُّر، أخبار قتل البريئين، الأطفال، النساء، بالبوسنة اغتصبت خمسة وثلاثين ألف امرأة، ولم يهتز أحد، ولم يتكلم أحد بأي كلمة بسبب البعد عن الله عزَّ وجل، يوم القيامة:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 فهذا الذي يتصل بالله، ويستقيم على أمره، ويُقْبِلُ عليه، ويسعى جهده كي يكون قلبه سليماً من كل عيب، من كل غل، من كل حقد، من كل استعلاء، من كل غطرسة، تسمع غطرسةً لا تحتمل، كبر لا يحتمل هذه كلَّها نفوس مريضة، ولا تهدأ النفوس إلا بعدل الله عزَّ وجل، وعدله يوم القيامة، ولكن علاقتنا بيوم القيامة علاقة وقت فقط، ليس لنا خيار، الآية الكريمة:

﴿ وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا﴾

( سورة الأنفال: من آية " 59 " )

 ما معنى سبقوا ؟ أي فعلوا شيئاً ما أراده الله، أو أنهم تفلَّتوا من قبضة الله، كل أفعالهم سَمَحَ الله بها لحكمةٍ بالغة، هم لم يسبقوا ولم يتفلتوا من قبضة الله عزَّ وجل، في أية لحظة هم في قبضة الله.
فيا أيها الأخوة... كلامٌ واصحٌ كالشمس، كلامٌ دقيقٌ جداً، يوم، هذا اليوم..

﴿ يَوْمَ يُبْعَثُونَ (87) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88)﴾

 المجد الدنيوي صفر، الأبنية الضخمة، الإنجاز العظيم..

﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً (23)﴾

( سورة الفرقان )

 إحباط العمل أن لا يجد الإنسان عمله شيئاً يوم القيامة، ليسوا على شيء، ما في شيء إطلاقاً، في دنيا، في تنافس على دُنيا.
فيا أيها الأخوة... القلب السليم يحتاج إلى طاعة لله عزَّ وجل، الطاعة الله تورث اتصالاً به، هذا الاتصال يصطبغ القلب بصبغة الله قال تعالى:

﴿ صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾

( سورة البقرة: من آية " 138 " )

 المؤمن مصبوغ بالكمال، هذا كلام دقيق، المؤمن متواضع، المؤمن مُنْصِف، المؤمن شجاع، المؤمن كريم، المؤمن صادق لا يكذب، المؤمن أمين، يحاسب نفسه على أقل مبلغ، هذا المؤمن، فإذا كنت كذلك انعكس هذا على قلبك سلامةً وطُهراً وصبغةً وإقبالاً، هذا رأس مالك في الآخرة، هذا القلب يَكْبُر، يصفو كالألماس، ويكبر ولا ترى كبره، فيتضاءل أمامه كل عظيم، ويصغُر ولا ترى صغره فيتعاظم عليه كل حقير، هذا القلب هو قلب النفس..

﴿ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾

( سورة الحج: من آية " 46 " )

" عبدي طهَّرت منظر الخلق سنين أفلا طهَّرت منظري ساعة ".
 القلب منظر الرب، الله ينظر إلى قلوبنا لا إلى أجسامنا، ولا إلى أشكالنا، ولا إلى صورنا، ينظر إلى قلوبنا وأعمالنا، فهذا رمضان مناسبة أن يجلى القلب، أن يصفو من كَدَر، من كل مرضٍ نفسي، وكلما ارتقيت عند الله يصفو قلبك فيحبك الناس، والقانون القرآني، فبما الباء السببية..

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 بسبب رحمةٍ استقرت في قلبك يا محمد كنت ليَّناً لهم، هذا اللين انعكاس القلب السليم، انعكاس القلب الرحيم، انعكاس القلب الموصول.

﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾

 فالتفوا حولك، وأحبوك، وفَدَوْكَ بأرواحهم، وأولادهم، وأموالهم..

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً﴾

( سورة آل عمران: من آية " 159 " )

 أي لو كان قلبك منقطعاً عنا لكان قاسياً، انعكاس القسوة غلظة وفظاظة..

﴿ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾

يعني.. اتصال، رحمة، لين، التفاف.. انقطاع، قسوة، غلظة، انفضاض، هذا قانون الالتفاف والانفضاض، قانون اللين والغِلظة، قضية صلة بالله عزَّ وجل.
 فيا أيها الأخوة قلبنا رأسمالنا، سلامة قلبنا رأسمالنا، سلامة قلبنا ثمن جنة ربنا، سلامة قلبنا أغلى من كل شيءٍ في الدنيا، المؤمن رأسماله قلبه، ينام طاهر القلب، لذلك يكيدون له والله يكيد فيدافع عنه..

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15)﴾

( سورة الطارق )

 يكيدون لمن ؟ للمؤمنين، الله قال:

﴿ وَأَكِيدُ﴾

( سورة الطارق )

 تولى ربنا بذاته العلية أن يكيد للكفار دفاعاً عن المؤمنين..

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ﴾

( سورة الطارق )

 يكيدون لمن ؟ للمؤمنين.

﴿ إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً (15) وَأَكِيدُ كَيْداً (16)﴾

 ربنا عزَّ وجل بذاته العليا..

﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَأَكِيدُ كَيْداً (16) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً (17)﴾

 بذاته العليا، يتولى بذاته أن يدبِّر تدبيراً يحبط مكرهم، أنت فقط اجعل نفسك أهلاً أن يكون الله وليَّك..

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾

( سورة البقرة: من آية " 257 " )

 اسمحوا لي بهذا المثل: شابان أو صبيَّان يبلغان العشرة سنوات، واحد له أب كبير، رحيم، عالم، مقتدر، مربِّي، مثقف ثقافة عالية، أي علم على أخلاق على مال، فاعتنى به عناية تفوق حد الخيال، اعتنى بجسمه، اعتنى بصحته، اعتنى بعقله، اعتنى بأخلاقه، اعتنى بدينه، رباه تربية عالية، رباه على استقامة والطهر والعفاف والأمانة والصدق، وجعله يأخذ أعلى الشهادات، وهيَّأ له جو مريح ؛ وطفل بنفس السن، بالطرقات، ينام بمداخل البنايات، سارق، منحرف، لوطي مثلاً، هذا يستوي مع هذا ؟ اسمع هذه الآية:

﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (11)﴾

( سورة محمد )

 مُشَرَّد، سيئ الخلق، لا يُرَبَّى، المؤمن الله يربيه، لما ربنا عزَّ وجل يتدخل، يسوق لهذا المؤمن مصيبة، فهو يربِّيه، " ما هذا الأدب يا رسول الله ؟ " قال: " أدبني ربي "، مرة قصة أرويها كثيراً لكنها دقيقة، أخ من إخواننا عنده معمل متواضع، في أخ ثاني علم أن عنده معمل فذهب لعنده قبل العيد، يريد قطعتين أو ثلاثة لأولاده، هذا الأخ انزعج انزعاج شديد، أن أنا لا أبيع مفرق، أنا أبيع خمسمائة دزينة دفعة واحدة شغلي كله بالجملة، قال له: أنا لا أبيع مفرق، قال له: لا تؤاخذنا وسلم وذهب، قال لي: أربعة وثلاثين يوم لم يدخل لمعملي زبون، حتى نشف دمي، يا ربي أبيع قطعة واحدة، قطعة أبيعها ولكن سامحني، الله أدبه.
 وكل مؤمن غالي على الله، الله يؤدِّبه، أحياناً يتكلَّم المؤمن بكلمة غلط.. ذكر لي أخ ثاني الله يجزيه الخير، قال لي: أنا عندي كلفة، لكن الكرتونة فيها ألفين قطعة مثلاً، أيضاً رفض أن يبيع بالمفرق، ووقف السوق عنده، قال لي: الآن أبيع قطعة واحدة، ثمنها خمسة ليرات، أدباً مع الله عزَّ وجل، طبعاً هذا نموذج للتربية، الله يؤدِّب المؤمن، بكلمة غلط يؤدبه، بنظرة غلط يؤدبه، بتطاول يؤدبه، إلى أن يصل، هكذا الحديث القدسي:
 " وعزتي وجلالي لا أقبض عبدي المؤمن وأنا أحب أن أرحمه إلا ابتليته بكل سيئةٍ كان عملها سُقْماً في جسده، أو إقتاراً في رزقه، أو مصيبةً في ماله أو ولده حتى أبلغ منه مثل الذر، فإذا بقي عليه شيء شددت عليه سكرات الموت حتى يلقاني كيوم ولدته أمه ".
ماذا ألم بكِ يا بنيتي ؟ سيدنا النبي للسيدة فاطمة قالت: " حُمَّى لعنها الله "، قال: " لا تلعنيها فو الذي نفس محمدٍ بيده لا تدع المؤمن وعليه من ذنب ".
 العام الماضي أحد إخواننا اضطر أن يجري عملية جراحية وكانت ناجحة جداً، وأنا أقول دائماً: الأخ المؤمن، الصادق، المستقيم، المخلص، إذا اضطر لعملية جراحية، يد الطبيب الجرَّاح بيد الله، نجاح العملية إكرام من الله، يد الطبيب الجرَّاح بيد الله، وأحياناً تكون واحد كليته واقفة يجب أن تُستأصل، فتستأصل السليمة، انتهى، غلطة، يد الطبيب بيد الله، فأجرى عملية وزرناه بعد العملية، على قدر ما وجدته متألِّق، محب لله، قلت: والله ولا ألف درس علم ترقى به إلى هذا المستوى، فالمؤمن كل ما يأتيه خير من الله حتى المرض، المرض مكفر، حتى الهم.. من قصر بالعمل ابتلاه الله بالهم.. الهم لفت نظر لهذا العبد أن عملك قليل يا عبدي
فنحن محور درسنا اليوم:

﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)﴾

 التفكر في خلق السماوات والأرض، والتوبة النصوح، والاستقامة على أمر الله، والإقبال على الله عزَّ وجل يصطبغ القلب بصبغة الله بعد أن كان على فطرة الله، الفطرة ليس لك أجر فيها إطلاقاً، الأجر بالصبغة، الصبغة كمال، أما الفطرة حب الكمال.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS