6398
أحاديث رمضان 1419 - موضوعات إسلامية عامة - الدرس ( 03 - 26 ) : الفقر وأنواعه.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-12-20
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 أيها الأخوة الكرام: في السنوات الماضية ، في بعض السنوات كُنّا نختار بعض الآيات ونشرُحها عَقِبَ صلاة التراويح ، وفي مرةٍ كان الدرسُ في سِت مسارات: العقيدة والتفسير والحديث والفِقه والموضوعات العلمية والسيرة ، في هذا العام من باب التجديد أردتُ أن يكونَ الموضوعُ كُلَّ يوم موضوعاً إسلامياً متكاملاً ، في ثلاثين يوم ثلاثين موضوع إن شاء الله ، على كُلٍ هذا الموضوع مُستوحى من الأحداث التي تجري هذه الأيام ، الله عزّ وجل يقول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾

(سورة الأنفال)

 آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آوَو ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ، والذين كفروا في الآية التي تليها: " وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ " يتعاونون على إيقاع الأذى بالمسلمين وعلى سلبِهم ثرواتِهم وعلى قهرِهم " وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ".
إلا تفعلوه.. يعني إلا تتعاونوا وتناصروا وتهاجِروا وتُؤووا ويكونُ بعضُكم ولياً لِبعض " تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ".
 هاتان الآيتان مقدمة لِبحثٍ متعلّق بموضوع الفقر ، الفقر من أقدم المشكلات الإنسانية أيها الأخوة ، والإسلام يُنكر أشدَّ الإنكار قضيتين في الفقر: " أن تُقدّسَهُ ، أو أن تعتبرهُ جبراً من الله عزّ وجل " كِلا الفكرتين خطأٌ جسيم لأنَّ الله عزّ وجل يقول:

﴿ أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآَوَى (6) وَوَجَدَكَ ضَالّاً فَهَدَى (7)﴾

(سورة الضحى)

 لا يُقدّس الفقر كما أنه لا يُعتقد أنَّ الله أجبرنا أن نكونَ هكذا ، لأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَلا تَعْجِزْ فَإِنْ غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ قَدَرُ اللَّهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ وَإِيَّاكَ وَاللَّوْ فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ ))

(أخرجه ابن ماجة ، كتاب الزهد)

 ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام كان في رمضان أجودَ من الريح المُرسلة ، يعني في رمضان هناك أربع قضايا:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

(أخرجه البخاري ، كتاب الصوم)

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ))

(أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان)

 " ومن صلى الفجر في جماعة فهو في ذمة الله حتى يُمسي "
" ومن صلى العشاء في جماعة فهو في ذمة الله حتى يُصبح "
أربع قضايا ، بقي: كان عليه الصلاة والسلام يُكثر في رمضان قراءة القرآن ، وكان يُكثر من الإنفاق ، فإن أردتَ أن تتقرّبَ إلى الله بالإنفاق لابُدَّ من أن تعمل والعمل مُقدّس في الإسلام.
 النبي عليه الصلاة والسلام أمسكَ يدَ عبد الله بن مسعود وكانت خشنةً من العمل فقال: إنَّ هذه اليد يُحبُها اللهُ ورسوله ، لأنَّ الأعداء أقوياء جداً ، وأغنياء جداً ، وأذكياء جداً ، والقضية قضية نكون أو لا نكون ، إذا بقينا متخاذلين ، مُقصّرين ، مُهملين ، لا نكون وترون بأعينِكُم كيفَ أنَّ العدو يقهر المسلمين.
 فلذلك العلماء قالوا: الفقر المُتقع خطرٌ على العقيدة ، لأنهم يقولون إذا دخلَ الفقرُ إلى بلدٍ قال له الكُفرُ خُذني معك ، يعني يجب أن نُفرّق بين ثلاث مصطلحات: " هناكَ فقرُ الكسل، وهُناكَ فقرُ القدر ، وهُناكَ فقرُ الإنفاق " ، فقرُ القدر معذور صاحِبُهُ عنده عاهة أو مشكلة.. لا يُلامُ أبداً.. ، وفقر الإنفاق هذا وسام شرف ، جاء رجل إلى النبي عليه الصلاة والسلام قال يا رسول الله إني أُحبُك ، قال انظر ما تقول ، قالَ واللهِ إني أُحبُك ، قال انظر ما تقول ، قالَ واللهِ إني أُحبُك ، فقالَ عليه الصلاة والسلام إن كُنتَ صادقاً فيما تقول للفقرُ أقرب إليك من شِركٍ عليك. أيُّ فقرٍ هذا !! يعني يُحبُ الله ويُحبُ رسولَهُ ومعه مال ولا ينفقه ولا يتقرّبُ بهِ إلى الله عزّ وجل ، فقرُ الإنفاق وسام شرف ، يا أبا بكر ماذا أبقيتَ لِنفسِك ؟ قالَ أبقيتُ الله ورسوله.
 رجل في بعض البلاد الإسلامية تبرّع بـ 300 مليون دولار وعَلِمَ أحد علماء دمشق بهذه القصة فتمنى أن يراه فقال اجمعوني معه ، في اليوم التالي أقاموا طعام فطور وجاء هذا العالِمُ الذي من الشام ليرى هذا الذي تبرّع بـ 300 مليون للدعوةِ إلى الله ، جلس فلم يأتي ، فقال أينَ هذا الذي وُعِدتُ أن أراه ؟ فقيل: جاء قبلَكَ انظر إليه أمامك ، من شِدّة تواضُعِهِ ما ظنّه أنَّ هذا الذي أمامه دفع هذا المبلغ.. هذا فقر الإنفاق..، فقر الإنفاق وسام شرف ، يعني المؤمنون الصادقون ، الأتقياء ، السابقون السابقون قد يفتقرون لكثرة ما يُنفقون " هذا وسام شرف " ، وفقر القدر صاحبُهُ معذور.
 أمّا أيُّ فقرٍ يُلامُ عليه ؟ فقرُ الكسل ، فقر الإهمال ، عدم إتقان الصنعة ، فقر التأجيل ، فقر التسويف ، فقر عدم التدقيق ، فقر عدم إتقان الصنعة... هذا كُلّهُ يجلبُ الفقر... هذا الفقر الإسلام حاربهُ ، فالإسلام لا ينظر نظرة مُقدّسة إلى فقر الكسل كما أنهُ لا يعتبرهُ قدراً لا ممدوحَ فأن يُغيّر والدليل:

﴿ وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً (16)﴾

(سورة الجن)

﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (66)﴾

(سورة المائدة)

﴿ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)﴾

(سورة الأعراف)

﴿ فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12)﴾

(سورة نوح)

 آياتٌ كثيرة ، صِلةُ الرحم تزيدُ في الرِزق ، إتقانُ العمل يزيدُ في الرِزق ، الاستغفار يزيدُ في الرِزق ، أن تُقيم الصلاة في بيتك يزيدُ في الرِزق:

﴿ وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (132)﴾

(سورة طه)

 الإيمان والاستقامة تزيدُ في الرِزق ، فالإنسان مُلام على فقر واحد هو فقر الكسل ، من يُطعِمُك ؟ قال أخي يُطعمُني قال أخوكَ أعبد مِنك ، لأنَّ أعداءنا أقوياء جداً وأغنياء وأذكياء والقضية نكون أو لا نكون فلابُدَّ من أن نعمل ، من أن نعمل ونبتغي بهذا العمل وجه الله ، لا يوجد في حياة المسلم دنيا وآخرة ، كُنْ منسجم ، عمل الإنسان إذا كان مشروعاً في الأصل وسَلَكَ بهِ الطُرقَ المشروعة ، ونوى بِهِ كفاية نفسِهِ وأهلِهِ وخِدمة المسلمين ولم يشغله عن فريضةٍ ولا عن واجبٍ دينيٍ ولا عن طلبِ علم انقلب إلى عبادة ، أروعُ ما في حياة المؤمن أنَّ العادات تنقلبُ إلى عبادات ، وأخطرُ ما في حياة المنافق أنَّ العبادات الصِرفة تنقلب إلى آثام ، المؤمن عملُهُ الذي يبتغي منه خِدمة المسلمين هذا يعودُ عليه كالعبادةٍ تماماً.

 الفقر خطر على العقيدة لأنهُ كادَ الفقرُ أن يكونَ كُفراً وإذا ذهبَ الفقر إلى بلدٍ قال له الكُفرُ خذني معك ، الآن: والفقر خطر على الأخلاق دققوا في هذا الحديث:

(( عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلاةِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَفِتْنَةِ الْمَمَاتِ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ الْمَغْرَمِ فَقَالَ إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ))

(صحيح البخاري ، كتاب الآذان)

 " المغرم: الدين " ، فالفقر خطر على الأخلاق ، والفقر خطر على الفِكر الإنساني فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( حدثناعَبْدُالْمَلِكِ بْنُ عُمَيْرٍ سَمِعْتُا عَبْدَالرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ كَتَبَ أَبُو بَكْرَةَ إِلَى ابْنِهِ وَكَانَ بِسِجِسْتَانَ بِأَنْ لا تَقْضِيَ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَأَنْتَ غَضْبَانُ فَإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لا يَقْضِيَنَّ حَكَمٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانُ))

(صحيح البخاري ، كتاب الأحكام)

 وحملوا على الغضب الجوعَ الشديد ، فالإنسان الجائع لا يُمكن أن يُصدرَ قراراً حكيماً، والفقر خطر على الأسرة:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً (31)﴾

(سورة الإسراء)

 هذا الفقر المتوقّع:

﴿ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾

(سورة الأنعام آية 151)

 الفقر الواقع ، فخطر على العقيدة ، وخطر على الأخلاق ، وخطر على الفكر الإنساني، وخطر على الأسرة نفسِها ، والإسلام يرفضُ أشدَّ الرفض النظرة الجبريّة للفقر والدليل:

﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (47)﴾

(سورة يس)

 الله عزّ وجل يرفُض أن تتوهّمَ أنَّ الفقر جبر إلهي ، كُل شيء يتغيّر ، كُل شيء يُبدّل ، ما عليكَ إلا أن تتحرك وأن تطلُب ، شيء آخر في هذا الموضوع دقيقٌ جداً هو أنَّ الله عزّ وجل كتبَ على الناسِ السعيَ فعلى كُل مسلمٍ أن يسعى ، عليه أن ينبعِثَ إلى السعي والله يتولى التوفيق وقد ضربَ النبي عليه الصلاة والسلام مثلاُ بالطير تغدو خِماصاً وتعود بِطاناً ، هناك أُناسٌ كثيرون لم ينتبهوا للحديث ، تغدو وتعود هناك حركة والإنسان يحتاج إلى حركة أن يخرج من بيته ، أن يسأل ، أن يبحث عن عمل ، أن يُفكّر في عمل:

(( عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ ))

(سنن أبي داوود ، كتاب الأقضية)

 متى تقول حسبيَ الله ونعِمَ الوكيل ؟ حينما تُغلب وحينما تُقهر ، أمّا مادام المجال للعمل والسعي فهذا ليسَ مقبولاً إطلاقاً ، الآن: نحنُ في رمضان ، النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

(( عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يُؤْذِ جَارَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ ))

(صحيح البخاري ، كتاب الأدب)

ويقول عليه الصلاة والسلام:

((عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ ))

(صحيح مسلم ، كتاب البر والصلة والآداب)

 إلا أنَّ الفِكرة الساذجة من صِلة الرحم أن تزورَ أهلكَ.. لا.. أن تزورهم ، وأن تتفقدهم ، وأن تأخُذَ بيدهِم إلى الله ، صِلةُ الرحم ضمان اجتماعي ودعوة إلى الله ، أمّا هذه الزيارة الشكلية التي لا تُقدّم ولا تُؤخّر ولا تفعلُ شيئاً ، إنسان معه الملايين الكثيرة يزور ابنَ عمه الفقير جداً يُسلّم عليه كيف الصحة " كيفك ، مبسوط ، خاطرك " وبعدها السلام عليكم ، أهذه هي صِلة الرحم ؟ ، هذهِ لا معنى لها إطلاقاً ، أن تزورَهُ وأن تتفقدّهُ وأن تأخُذَ بيدهِ إلى الله ، فصِلة الرحم هي الضمان الاجتماعي في الإسلام.
أيها الأخوة: اللهُ عزّ وجل يقول:

﴿ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)﴾

(سورة الأنفال)

 الإنسان لا تُقبل منهُ زكاةٌ إذا كانَ في أقربائِهِ محاويج ، كُل إنسان يتفقّد من حوله ، وأهم نقطة في هذا الموضوع هي أنَّ الذي يستحق أن تُعطيهُ لا يسألُك:

﴿ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافاً وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)﴾

(سورة البقرة)

 إذاً: مهمُتكَ أن تبحثَ عنهُ أنتَ ، هناك شيء آخر ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)﴾

(سورة النحل)

 وشيء ثالث:

﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)﴾

(سورة النساء)

 أي اتقوا الأرحامَ أن تقطعوها، فهذا الموضوع ، الحل حلُّ مشكلةِ الفقر بالعمل وبالإنتاج ، وهذا جزءٌ من عبادة المؤمن ، وما لم يفعل المسلمون هذا فهم في تراجعٍ شديد ، والويلُ لأمةٍ تأكُلُ مالا تزرع وتلبَسُ ما لم تنسج ، وهناك عبادة مُطلقة وهناك عبادة مُقيّدة ، أجمل ما في الموضوع العبادة المُطلقة أن تعبُدَ الله في الهُويّةِ التي أقامَكَ بِها ، أقامَكَ غني أول عبادة لكَ إنفاق المال ، أقامك بالعلم أول عبادة لكَ تعليم العِلم ، أقامك قوي أول عبادة لكَ إنصاف الضعيف ، وفي الظرف الذي وضعك فيه ،.. يعني.. عندكَ مشكلة العبادة أن تحُلَّ هذه المُشكلة ، أن تُعين هذا المريض على الشفاء ، أن تُعين هذا ابنَ السبيل على أن يصِلَ إلى مكانه ، أن تُعين أباك على معالجتِهِ ، هذا الذي يُريدُهُ اللهُ منّا.
 فإن شاء الله تعالى نحاول في كُل درس أن نُعالج موضوع نحنُ في أمسّ الحاجةِ إليه، أُذكرُكُم بفقرِ القدر صاحِبُهُ معذور ، وبفقرِ الإنفاق صاحِبُهُ مشكور ، أمّا الشيء الذي نُلام عليه فقرُ الكسل ، وفقرُ الكسل دليلُ الضعف والتخاذُل والقعود والتأجيل والتسويف وعدم الإتقان ، أعداؤنا سبقونا في هذا المضمار مسافاتٍ شاسعة ، لذلك سبقونا فتحكموا فينا ، فإن أردنا أن نخرُجَ من سيطرتِهم لابُدَّ من أن نعمل.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS