10548
أحاديث رمضان 1418 - الفقه - الدرس ( 7 - 9 ) : زكاة الفطر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-01-18
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس الفقه في رمضان، ولا زلنا في موضوع الزكاة، ولكننا ننتقل إلى زكاة الفطر، الأولى زكاة الرأس، والثانية زكاة الفطر، زكاة الفطر تجب أيها الإخوة بالفطر من رمضان، واجبة على كل فرد، صغيراً كان أو كبيراً، ذكراً كان أو أنثى، حراً كان أو عبداً.
فقد روى البخاري ومسلم عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام:

((صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، على الحر والعبد، والذكر، والأُنثى، والصغير والكبير من المسلمين))

 الله جل جلاله يريد من هذه الزكاة أن يذوق كل إنسان معنى الإنفاق، فرضها على الفقير الذي عنده قوت ليلة واحدة، وجبة طعام واحدة، قطعة من الجبن مع نصف رغيف، من عنده قوت ليلة واحدة وجبت عليه زكاة الفطر، له أن يؤديها، وله أن يأخذها، لماذا ينبغي أن يؤديها؟ ليذوق طعم الإنفاق، يعني أراد الله عز وجل أن يذيقنا في رمضان طعم الإنفاق.
 حكمة هذه الزكاة: أن تكون هذه الزكاة زكاة الفطر طهرة للصائم مما عسى أن يكون قد وقع منه، عملية ترميم، من اللغو كلام لا معنى له، أو كلام لا مسوغ له، أو كلام لا جدوى منه، هذا اسمه لغو، والله عز وجل يقول:

﴿ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ﴾

[ سورة المؤمنون]

 مما عسى أن يكون وقع فيه من اللغو، والرفث، كلمة فاحشة، لا ينبغي أن يقولها صائم، فاللغو والرفث هما علة تشريع زكاة الفطر، التطهير، أو لكي تكون عوناً للفقراء والموعزين في العيد.
روى أبو داوود، وابن ماجة، والدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:

((فرضَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر طُهْرَة للصائم من اللَّغْوِ والرَّفَثِ وطُعْمَة للمساكين، من أدَّاها قبل الصلاة فهي زكاةٌ مقبولة، ومن أدَّاها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات ))

 يعني لا تصح إلا أن تؤدى قبل صلاة العيد، لكن هناك زكاة مال، وهناك زكاة فطر، زكاة المال الأولى أن تؤدى في رمضان، كي يشتري حاجاته، حاجات أولاده، أن يؤمن مئونة بيته، أما زكاة الفطر حكمتها أن تكون طعمتها في العيد، لذلك بعض العلماء جزاهم الله خيراً فهموا زكاة الفطر أن تكون إطعاماً لا إنفاقً، وسمعت من بعض الإخوة الكرام أنهم يأتون بعلبة ممكن هذه العلبة أن تكون فيها عوامل طبخة جيدة من أسرة فيها خمس أشخاص، ماذا يمنع كيليين رز، كيليين لحمة، علبة بازلاء، علبة سمنة، هذه طبخة تأكلها أسرة في أيام العيد كله، فإذا كان إنسان أمكنه أن يطعم أسرة هذا الطعام جيد، ما أمكنه اثنين يطعموا أسرة، ما أمكن اثنين أربعة، هو الحد الأدنى الأدنى الأدنى خمسين ليرة على الفرد، ولا حد لأكثره، الميسور يقدم ألف ليرة، يقدم خمس مئة، يقدم مئتين، يقدم مئة وخمسين، على كلٍ يرجح أن تكون طعاماً يطعم في العيد، أن تغني الفقير عن الطواف على الناس لاستجداء طعامه، لأن الحديث:

(( وطُعْمَة للمساكين ))

 طعام، تجب على الحر المسلم المالك لمقدار صاع يزيد عن قوته وقوة عياله يوماً وليلة، وتجب عن نفسه وعن من تلزمه نفقته كزوجته، وأبناءه، وخدمه، إذا له أخت في البيت تجب عليه وعلى أخته، إذا عنده والدة، والد، من ينفق عليهم، ويتولى أمرهم، حتى إن بعض الورعين ينفق زكاة الفطر عن الجنين في بطن زوجته، صوم رمضان معلق بين السماء والأرض لا يرفع إلا بزكاة الفطر.
قدر هذه الزكاة: صاع من القمح، أو الشعير، أو التمر، أو الزبيب، أو الأقط، اللبن المجفف، أو الأرز، أو الذرة، أو نحو ذلك، مما يعد قوتاً.
 أبو حنيفة جوز إخراجها نقداً، وبعض العلماء يرى أن نصف صاح من قمح يجزئ الشعير صاع، الصاع أربعة أمداد، والمد حفنة بكفي رجل معتدل الكفين، يساوي قدحاً وثلث، أو قدحين، يعني كفين، من رجل معتدل هذا هو المد، الصاع أربعة أمداد، نصف صاع من قمح يجزئ، أو صاع من شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، أو أرز، أو ذرة، أو نحو ذلك.
قال: هذه تجب في آخر رمضان، واختلفوا في تحديد الوقت، وقت وجوبها كما قال بعض العلماء غروب الشمس ليلة الفطر، لأنه وقت الفطر في رمضان.
 وقال أبو حنيفة: تجب مع طلوع الفجر في يوم العيد، وبعضهم قال: يجوز أن تدفعها في أول رمضان، حتى يتدبر الفقير شؤون حياته، أما إذا أُخرت عن صلاة العيد فهي صدقة، ولا علاقة لها بزكاة الفطر، وعندئذٍ تجب في الذمة، والذي دفع صدقة من الصدقات، لأن الصدقة ليس لها وقت لدفعها.
مصرف هذه الزكاة زكاة الفطر توزع كما توزع الزكاة تماماً:

﴿ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[ سورة التوبة الآية: 60]

 توزع كما توزع الزكاة تماماً،

﴿ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

 إلا أن العلماء قالوا: الفقراء هم أولى الناس بزكاة الفطر، لما تقدم من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم:

((طُهْرَة للصائم من اللَّغْوِ والرَّفَثِ، وطُعْمَة للمساكين))

[أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمر]

 وقال عليه الصلاة والسلام في هذا المعنى:

((أغنوهم هذا اليوم))

 وفي حديث آخر:

((أغنوهم عن طواف هذا اليوم))

أما المكان تؤدى في المكان الذي تؤدى فيه الزكاة.
 إلا أن هناك بحث لطيف هو إجابة عن سؤال: هل في المال حق سوى الزكاة؟ يجيب عن هذا النبي عليه الصلاة والسلام فيقول:

(( في المال حق سوى الزكاة))

 من أين أخذ النبي هذا الحكم؟ من قوله تعالى:

﴿ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ ﴾

[ سورة البقرة الآية: 177]

 إيتاء الزكاة شيء، وإيتاء المال شيء آخر، يعني إيتاء الزكاة يشبه ضريبة لا بد من أن تدفع، فإن دفعتها تلافيت المصادرة، تلافيت الغرامات.
 أما أحيان موطن يقدم بناء للدولة، في إنسان بحماة قدم، الآن هي جامعة، كلية البيطرة، مواطن قدم بناء هدية، هذه التقديم غير الضريبة، دفع الضريبة شيء، أقرب لكم الأمثلة دفع الضريبة شيء، وتقديم بناء ليكون جامعة شيء آخر، الإنسان إذا كان عنده مواطنية عالية يقدم شيء، أما دفع الضريبة يعبر عن الخوف، خوف من غرامة، خوف من مصادرة، دفع الضريبة لا بد منه، لكن دفع الصدقة تطوع يعبر عن محبة الإنسان لله عز وجل، لأن تلك فرض كمن يصلي صلاة الفرض ويصلي صلاة النفل، سواء بسوء.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((إِن في المال حقّا سوى الزكاة ))

[أخرجه الترمذي عن فاطمة بنت قيس]

 أضرب لكم مثل: إنسان أدى زكاة ماله برمضان، وجاء شوال، وله جار مسلم مستقيم، مؤمن، أصيب ولده بحادث لابد من إجراء عملية فورية وإلا أن لهذا الحادث مضاعفات خطيرة، وأنت جاره، وميسور، هل لك تقول أمام الله أنا يا ربي ما دخلني أديت زكاة مالي، لا نقول له قال عليه الصلاة والسلام:

((إِن في المال حقّا سوى الزكاة ))

 لو أديت زكاة مالك، إيمانك، ورحمتك، تدفعانك إلى إعطاء هذا الأب ما يساوي أجر العملية الجراحية.
 فلذلك الإنسان يجب أن يضيف على الزكاة صدقة التطوع، الناس يعلمون أن الزكاة فرض، يحاولون، وهذا الشيء أعانيه كل عام، يحاولون أن يؤدوا كل واجباتهم عن طريق الزكاة تارةً لابنه، تارةً لابنته، تارةً لأخته، الأخت يجوز أن تأخذ زكاة، لكن هناك من يعتقد أن أختك يلزمها تكبر برادها، هذه حاجة ثانوية، في إنسان لا يجد ما يأكل، فهناك من يجعل كل حاجات العائلة الأقربين تؤدى عن طريق الزكاة.
والله مرة إنسانة سألتني على الهاتف: أنها معزومة على عرس، أنها إذا قدت بوكيه ورد تحسب من الزكاة أستاذ؟ والله هكذا.
 واحد سألني سؤال ثاني، قال لي: إذا كان صهري يحتاج سيارة وأخذنا له سيارة من مال الزكاة أستاذ؟ يريد أن يشتري لصهره سيارة من مال الزكاة، في أشياء غير مقبولة، في عنا أولويات.
على كلٍ الصدقات تغطي، تريد أن تطبع كتاب، تريد أن تبني مسجد، تبني مستوصف، الصدقة تغطي كل شيء، أما الزكاة للفقراء حصراً.
 أيها الإخوة، رمضان شهر الإنفاق، وكل إنسان الآن حي المال له قيمة، أما على فراش الموت أعطوا، أعطوا، أعطوا مئة ألف، مئتين ألف، درهم تنفقه وأنت صحيح، وأنت شحيح، وأنت في أمس الحجة لهذا المال خير من ألف مئة ينفق وأنت على فراش الموت، درهم تنفقه في حياتك خير من مئة ألف درهم ينفق بعد مماتك، درهم تنفقه في إخلاص خير من مئة ألف درهم ينفق في رياء، ثلاث حالات، في حياتك، وأنت صحيح شحيح، ودرهم تنفقه في إخلاص، احرص على الإخلاص، وأن تكون أنت في أمس الحاجة لهذا المال، الإنسان على فراش الموت تجده كريم صار، نصف مليون، مليون خمسة مئة ألف، مئتي ألفالمال ما عاد له معنى بالنسبة له، أما هو شاب يتقد حيوية ونشاط، فالمال له معنى كبير، فكلما كنت في أمس الحاجة إلى المال كان الإنفاق أقوى وكان أجره أكبر.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS