14689
أحاديث رمضان 1418 - العقيدة - الدرس ( 08 - 10 ) : الحق والباطل والخير والشر.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-01-17
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 أيها الإخوة الكرام، مع الدرس السابع من دروس العقيدة في رمضان، تحديد المصطلحات جزء أساسي من العقيدة، عندنا في هذا اللقاء أو هذا الدرس أربع مصطلحات، الحق والباطل، والخير والشر، ربنا سبحانه وتعالى في آيات كثيرة جداً قال:

﴿ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ﴾

[ سورة التغابن]

 قال علماء التفسير: إن الحق لابس خلق السماوات والأرض، والحق تفسره آيات كثيرة، من هذه الآيات:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾

[ سورة ص الآية: 27]

 فالحق نقيض الباطل، وفي آية أخرى:

﴿ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ ﴾

[ سورة الأنبياء]

 فالحق نقيض اللعب، اللعب العبث، والبطل الزوال، الشيء الباطل الزائل، وقد قال الله عز وجل:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

[ سورة الإسراء]

 الباطل إلى زوال، إلى انهيار، إلى دمار، إلى تلاشي، إلى تداعي، من خصائص الباطل الثابتة أنه إلى زوال، مهما بدا لك كبيراً، ولو عاش سبعين عاماً، ولو له قلاع كبيرة لابد من أن يتداعى هذا الباطل، الباطل مهما كان متعدداً، ومهما كان كبيراً إلى زوال، الحق نقيض الباطل، الحق ثابت، حق الشيء استقر، والأمور لا إلا على الحق.
 فلذلك تعريف الحق: الشيء الثابت والهادف، أنت حينما تنشئ جناح في معرض هذا الجناح أنشأته لأيام، لأيام معدودة لعشرين يوم ثم ينهار، أما حينما تنشئ بناء جامعي تنشئه ليبقى ففي فرض كبير بين أن تنشئ جناح في معرض، لأرض مستأجرة لعشرين يوم، هذا أنشئ لينهدم بعد حين، وبين أن تنشئ بناء ليبقى، فمن صفات الحق الثبات.
 لذلك المسلم مهما تقدمت به العمر يزداد إيماناً بعقيدته لأنها حق، وقد ذكرت لكم من قبل أن أحد رؤساء الوزارات في فرنسا انتحر، والذي يلفت النظر أنه من أعرق الأسر، وغني وما في عنده مشكلة، وله سمعة طيبة جداً، فلماذا انتحر؟ أكثر من مئة صحفي بحثوا عن أسباب انتحاره، صحفي واحد اهتدى إلى السبب، اعتنق مذهب باطل، وعاش سبعين عاماً نظر فرأى أنه في هذه السنوات كلها مخدوعاً، وكان واهماً فاحتقر نفسه، أما المؤمن مهما امتد به العمر لا تزيده الأيام إلا ثباتاً، ورسوخاً، وإيماناً بمبدئه لأنه حق، الآن الإسلام مهما تقدم العلم مهما ظهرت مخترعات لن تستطيع كل هذه العلوم، وهذه المخترعات، أن تزعزع الثقة به لأنه من عند الله لأنه خالق السماوات والأرض، أما أي كتاب آخر بعد حين تظهر فيه تناقضات، يظهر فيه خلل يظهر فيه خطأ، فالحق من عند الله، والحق الشيء الثابت، لا يتغير، ولا يتبدل، الأمر والنهي في القرآن الكريم متوافق مع أنظمة النفس.
 الآن ظهرت أنظمة وضعية بنزع الملكية، هذا الأنظمة تنهار بعد حين، لأنها ليست حقاً تتناقض مع طبيعة النفس، أما الشيء الذي جاء به القرآن، الله عز وجل الزوج سمح للزوج إذا طلق زوجته أن يعطيها مهراً، أما بالأنظمة الوضعية في بعض البلاد تتملك نصف ثروته بالتمام والكمال، لذلك الآن هرب الناس من الزواج، ولجئوا إلى زواج مدني، ثم لجئوا إلى معايشة زوجية بلا عقد إطلاقاً، بعض الدول العربية أرادت أن تطبق بعض النظام الغربي، ثم لجئوا إلى معايشة زوجية بلا عقد إطلاقاً، بعض الدول العربية أردت أن تطبق النظام الغربي بار سوق الزواج، حدثني أخ كريم صار الأب يرجو خاطب ابنته أن يخطبها ويعطيه تعهد بمليون ليرة لا نطالبك عند الطلاق بنصف ثروتك، وقف الزواج.
 في الصين ألزموا الناس بولد واحد، فصار الأسرة تأتيها بنت تخنقها، الصبي يسجلونه، بعام ألفين خمسين مليون شاب بلا فتاة، مشكلة كبيرة.
فالحق نظام ثابت لا يتزعزع، ولا يتبدل، قال تعالى:

﴿ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[ سورة فاطر]

 لذلك الحق ليس لعباً، واللعب هو العبث، والحق ليس باطلاً والباطل هو الزوال، نفا الله عن السماوات والأرض البطل، ونفا عن خلقها اللعب، صار الحق نقيض البطل، واللعب نقيض البطل الثبات، ونقيض اللعب الهدف، هدف نبيل، السرك ما له هدف نبيل، أما إنشاء جامعة لها هدف نبيل، تخريج قادة للأمة، نقض الحقيقة للأجيال، فإنشاء سرك غير إنشاء جامعة، السرك لعب وتسلية، وتمضية وقت، أما الجامعة من أجل تكوين قادة للأمة.
 فالحق الشيء الثابت والهادف، والباطل الشيء الزائل، الآن أي باطل على وجه الأرض إلى زوال، أكثر من ألف فرقة ضالة في الإسلام كلها تلاشت، لأنها باطل، لن تقف، ما الذي استمر؟ هو الحق، بتاريخ الفرق الإسلامية مئات بل آلاف الفرق، كل فرقة منحرفة عن طريق الحق إلى زوال، إلى انهيار، أهلها غير قانعين بها، هذا المصطلح الأول الحق والباطل.
أما المصطلح الثاني: الخير والشر في عنا خير مطلق، الخير المطلق هو الله.

﴿ قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

[ سورة آل عمران]

 المطلق، أي شيء يقربك إلى الشيء المطلق هو الخير، وأي شيء يبعدك الخير المطلق هو الشر، الله خير مطلق، وخلقنا لخير مطلق هي الجنة، فأي شيء يقربك من الله أو من الجنة هو الخير، إنفاق المال هو خير، ضبط اللسان خير، ضبط العين خير، خدمة الخلق خير كل وسائل الجنة هي الخير، وكل شيء يبعد عن الله وعن الجنة هو الشر، ولو بدا جميل مزخرف، قد يكون ملهى جميل جداً، في أناقة ما بعدها أناقة، لكن هذا الملهى يرتاده أناس ليشاهدوا الرقص، ليشربون الخمر وفي هذا بعد عن الله إذاً هذا شر، إذاً مهما بدا لك صرح رائع شر، عمل صعب، عمل شاق، لكن هذا العمل شريف ويرضي الله، أنت وازن بين ملهى جميل جداً مكلفة الصالة ثلاثين مليون، وبين ورشة عمل حدادة في سوق، أو في منطقة صناعية أصوات، وروائح، وزيوت، وشحوم، بالعين هذه الملهى أجمل، لكن بمقياس الخير والشر المصنع الذي فيه حديد، وفي صعوبة، وفي مشقة، هذا يرضي الله، يقربك من الله ومن الجنة، هذا هو الخير.
 مرة إنسان قال لي كلمة: له مكتب حار به العقول، أناقة، محاط بخشب من كل الجدران لعزل الصوت، وفي تزينات رائعة جداً، قال لي: أنا عملي قذر، يعني عمله لا يرضي الله عز وجل، وفي اليوم التالي ذهبت إلى أحد ورشات التصليح، والأمطار شديدة، وأحد الإخوة الكرام ينبطح تحت السيارة، بأفرول أزرق سابقاً صار أسود من الشحم والوحل، وبرد شديد، وفك قطعة للسيارة، ووازنت بين كلام الأول الذي قال لي أنا عملي قذر، وكلام الثاني، فقلت: هذا هو العمل النظيف، وذاك هو العمل القذر.
 فالخير والشر كل شيء يقربك من الخير المطلق، كل شيء يقربك من الله خير، من إنفاق، إلى دعوة، إلى طلب علم، إلى ضبط جوارح، إلى ضبط أعضاء، إلى خدمة الخلق خير كل معصية تعبدك عن الله شر، ولو بدت لك المعصية ملونة، والخير متعب، فتعريف الخير وسيلة تتقرب بها بالخير المطلق، والشر عمل يبعدك عن الخير هو الشر.
النبي عليه الصلاة والسلام يقول:

((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ))

[أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي عن علي بن أبي طالب]

 الله جل جلاله خلق الخلائق وسيرها، إذاً خير ما بعده خير، كمال ما بعده كمال، إلا الإنسان والجن خلق:

﴿ الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾

[ سورة التين]

 لكن منحه حرية الاختيار، وأودع فيه الشهوات، وسمح له أن يتحرك كيف يشاء صار في كائن، أودعت فيه الشهوات، وأطلقت حريته، فإن لم يتبع منهج ربه وقع الشر، الشر يأتي من كائن يشتهي، ومخير، ومتفلت من منهج ربه، لو اتبع منهج ربه لكان الخير مطلق، كل المخلوقات مسيرة إلا الإنس والجن، مخلوقات من أعلى مستوى، منحت حرية الاختيار، ومنحت الشهوات، ومنحت منهج فإن طبقت المنهج لكانت خير، ولو خالفت المنهج كانت شر، فالشر لا يحتاج إلى خالق، الشر انحراف.
 أنت ترى سيارة متقنة جداً، تقول من صنعها؟ أما إذا رأيت هذه السيارة قد تدهورت وأصبح لها شكل منفر، لا تقول من صنعها؟ هذا الوضع المنفر لا يحتاج إلى معمل، هذا سببه سائق كان سكران فنزل في وادي، فأصبح لها هذا الشكل المنفر، لم نحتاج إلى قوالب لتصنع هذا الشكل، هذا الشكل شاذ، هذا الشكل طارئ ناتج من غفلة السائق، أما الشكل الانسيابي يحتاج إلى معمل، إلى مهندسين، إلى أذواق عالية، فالخير يحتاج خالق، أما الشر لا يحتاج إلى خالق، خروج عن منهج الله، أوضح مثل:
السكر، والملح، والمسحوق الغسيل، ثلاث مساحيق بيضاء، وكلها ثمينة جداً وخيرة بالأساس، ضع السكر في الطبخ تكب الطبخة، تضع الملح بالشاي تكب الشاي، ضع مسحوق الجلي بالطبخة تكب الطبخة، ماذا فعلت؟ وضعت الشيء في غير مكانه، مثل الشر، لكن الشر طارئ أم أصلي؟ السكر مادة سامة؟ لا ليست مادة سامة، مادة طيبة مكانها الشاي، والملح مادة سامة؟ لا مكانها الطبخ، ومسحوق الغسيل مكانه الغسالة، لما أنت غيرت مكان المساحيق الثلاثة صار في شر، هذا شر طارئ، وليس شر أصلي، لأن النبي يقول:

((والشَّرُّ لَيسَ إليكَ))

 يا رب، أنت ما عندك شر، لكن جاء الشر من سوء الاستعمال، الزنا شر، أما أصل التصميم خير، أصل التصميم زوجة، أنجبت أولاد، ملئوا البيت سعادة، الزوجة تقدمت بها السن كبروا أولادها، لها أصهار، لها بنات، لها زوج، الزواج الشرعي الإسلامي كله خير، لو إنسان انحرف، وزنا بامرأة فلما ذهب جمالها ألقيت في قارعة الطريق، إنسانة لا لها أهل، لا لها زوج لا لها أولاد، وما لها أحد، وذهب جمالها، أصبحت كالقمامة تماماً، هذا شر، وليس من أصل التصميم، بمخالفة لمنهج الله عز وجل، فهذا شيء خطير جداً، الشر ليس له وجود، الشر سلبي الشر ناتج عن هدف للمنهج، الشر أساسه مخلوق أودع الله فيه الشهوات، ومنحه حرية الاختيار وخالف منهج الله عز وجل، ينشأ شرور، كل ما يجري في العالم من شرور، من حروب، من تلوث للبيئة سببه الخروج عن منهج الله، جنون البقر ثلاثين مليار جنيه إسترليني ثمن ثلاث عشر بقرة يجب أن تحرق، لأنهم أطعموه مسحوق اللحم، والبقر نباتين قام جن، هم جننوه، فهذا الشر جاء من مخالفة المنهج.
 بالمناسبة: الشر المطلق ليس له وجود، بل إن وجود الشر المطلق يتناقض مع وجود الله، أنت أمام خيار صعب، إما أن تؤمن أنه في إله خير مطلق، وفي شر طارئ، في شر موظف للخير، أو أن تؤمن بالشر المطلق، الشر المطلق لا يتناقض مع عدالة الله، بل يتناقض مع وجوده.
 أيها الإخوة، هذه قضايا أساسية، حينما تحسن الظن بالله، حسن الظن بالله ثمن الجنة الله ما عنده شر، أحياناً يوقع مصيبة الشر نسبي، إنسان ما في دين أبداً، ولا يصلي، وماشي بطريق مسدود لجهنم، الله حرق له محله، حرق المحل شر، لكن شر نسبي، بالنسبة له شر بالنسبة لمستقبله خير، قام تاب، واستقام، وصلى، الله أتلف لإنسان ماله لأنه في ربا، فانتبه، أتلف له ماله، وألقى في روعه أن هذه من أجل هذه، قام ترك أكل الربا، واستقام، واستحق الجنة.
ففي عنا شر نسبي يوقعه الله ببعض عباده يوظفه للخير المطلق، في عنا شر مطلق وشر نسبي، والخير إيجابي، والشر سلبي، والشر لا يحتاج إلى خالق، الشر طارئ، انحراف.
 فيا أيها الإخوة الكرام، يجب أن توقن أن الله سبحانه وتعالى خلقنا ليرحمنا، كيف أن السيارة صنعت لتسير، والمكبح أساسي بالسيارة، أساسي لسلامة أصحابها، المكبح وظيفته عكس هدفها، هدفها تمشي، المكبح يوقفها، أما يوقفها بالوقت المناسب، فالمصيبة مكبح تكبح جناح الإنسان، يكون مسترسل بمعصية تأتي مصيبة تردعه.
فيجب أن نؤمن الشر إذا كان مخلوقاً فقد خلقه الله، ووظفه للخير المطلق، صار شر نسبي، وإذا كان ناتج عن مخالفة المنهج هذا شر سلبي، لا يحتاج إلى خالق، كما أن السيارة المتدهورة لا تحتاج إلى معمل شكلها على هذا النحو، هذا النحو لا يحتاج إلى قالب، سيارة مجعلكة بحادث، في قالب يسويها؟ لا تحتاج إلى قالب، لا تحتاج إلى معمل، هذه لأنه سكران السائق صار معه هكذا، هذه نواحي الحق والباطل، والخير والشر، هذه مصطلحات مهمة جداً.
فحينما تؤمن أن الحق هو الشيء الثابت والهادف وأن:

﴿ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقاً﴾

 مهما تعدد، ومهما كبر، وأن الخير هو القرب من الخير المطلق من الجنة، من الله، ومن الجنة وأن الشر هو البعد عن الخير المطلق هي الجنة، هذا هو الشر، شر سلبي، والشر نسبي، والشر موظف للخير، والشر المطلق ما له وجود إطلاقاً، والدليل الآية الكريمة:

﴿ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ﴾

﴿ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

[ سورة آل عمران]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS