5101
أحاديث رمضان 1418 - موضوعات علمية - الدرس ( 5 - 8 ) : الأسماك في البحار - الطحال.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-01-16
بسم الله الرحمن الرحيم

  الحمد الله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين، اللهم لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم ، اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً ، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه ، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه ، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين .

سبب التئام جروح الأسماك بسرعة :

 أيها الأخوة الكرام ؛ مع بداية الدرس الخامس من دروس رمضان ، والدرس اليوم موضوعات علمية .
 الشيء الذي يلفت النظر أن جراح الأسماك سريعاً ما تلتئم في وقت قصير جداً جداً طبعاً إذا ما قيس بجرح الإنسان ، هذه الظاهرة حيرت العلماء علماء الأسماك وعلماء البحار ، بعضهم عزاها إلى المياه المالحة ، ثم وجد أن هذا التفسير غير صحيح ، ثم اكتشف صدفةً أن هذه الأسماك الجريحة تأتي إلى أسماك من جنسها تلتصق بها ، فإذا الجراح تلتئم في وقت يساوي عشر التئام جراح الإنسان ، أي هذا الجرح عند الإنسان يحتاج إلى عشرة أيام ، عند الأسماك يوم من خلال التصاق هذه الأسماك بزميلاتها ، أخذت هذه الأسماك وضعت في مخابر في مياه مالحة أحدث فيها جرح ، إلا أن الشيء الذي لا يصدق أن الأسماك امتنعت عن إجراء هذا الالتصاق فيما بينها مداواة لجراحها لأنها تحت مرأى ومسعى العلماء .
 لم يستفيدوا شيئاً ، ثم إن عالم من علماء البحار أمضى سنوات طويلة إلى أن استطاع أن يستخلص هذه المادة التي تفرزها بعض الأسماك على الأسماك الجريحة ، وضعت هذه المادة على جرح إنساني فإذا به يلتئم سريعاً جداً كسرعة التئام الأسماك ، أخذوا هذه المواد حللوها فإذا هي مواد سامة وضارة ، أما في النهاية فوجدوا أنها مواد مخثرة للدم وقابضة للعضلات والجلد ولاصقة ، أربع خصائص ، مخثرة ، وقابضة للعضلات والجلد ، ومخثرة ، وليس لها مؤثرات جانبية أبداً ، قال تعالى:

﴿ قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾

[سورة طه :49-50]

 سمكة جرحت لا يوجد مستشفيات في البحار ، ولا يوجد أطباء ، بشكل خاص لهذه السمكة تأتي سمكة أخرى من زميلاتها تلتصق بها ، جلد السمكة الثانية يفرز مادة مخثرة لئلا يخرج الدم وينزف ، ومادة قابضة للجلد ، وقابضة للعضلات ، ومادة لاصقة ، فإذا هذا الجرح يلتئم في عشر الوقت الذي يلتئم به جراح الإنسان ، وهذه من خصوصية الأسماك في التئام جروحها ، هذه واحدة .
 والثانية أن علماء البحار يرون السمكة في عرض البحر تقف هكذا وتأتي سمكة تأكل من حراشفها دون أن تتحرك ، تنتهي هذه السمكة تأتي سمكة ثانية ، أي هذه السمكة التي تأكل هي السمكة الطبيبة .

السمكة الطبيبة :

 الآن عندنا حالة غير الجراح ، عندنا تعفنات وإنتانات في حراشف الجلد ، كيف تعالج السمكة نفسها من هذا الإنتان أو الالتهاب ؟ سمكة اسمها السمكة الطبيبة ، هناك عرف في البحار لا أحد يأكلها أبداً ، غذاء هذه السمكة على إنتانات حراشف الأسماك ، وعلى التقرحات التي في حراشف الأسماك ، ويوجد عندي صورة عدة أسماك يقفن في طابور ينتظرن دورهن في المعالجة من هذه السمكة الطبيبة ، سمكة مهمتها أن تخلص السمكة المريضة من كل الإنتانات ، ومن كل التعفنات في حراشفها ، فإذا أنهت هذا التجريف انتقلت إلى السمكة التي تليها وهكذا ، سمى كاتب المقالة هذه السمكة بالسمكة الطبيبة ، والعرف الذي لا يصدق أنه ما من سمكة تلتهمها لأن لها وظيفة إنسانية ، كيف أن بعض سيارات الإسعاف تضع الهلال على ظهرها لئلا تقذف من الطائرات ، هذه السمكة لها حصانة لأنها تقوم بعمل أسماكي عوض إنساني في البحار ، تقوم بعمل جليل لذلك لا أحد يلتهمها ، في البحار أشياء مدهشة أي نحن نرى تنوعاً بالبر ، البر بكل ما فيه من مخلوقات وحيوانات وزواحف وحشرات وأطيار ليس بشيء أمام ما في البحار ، بعض علماء البحار أحصى مليون نوع من أنواع الأسماك .
 عند بعض الإخوان محل لبيع أسماك الزينة جمال أخاذ ، لون فوسفوري ، ولون زهري ، سمك شفاف ترى في أحشائه سمكاً أسود فاحم ، سمك له ذنب ، هذه أسماك الزينة، ويوجد أسماك متوحشة كالقرش شيء مخيف ، ويوجد أسماك كبيرة كالحيتان ، رضعة وليدها ثلاثمئة كيلو ، وثلاث رضعات طن وهي رضعة معتدلة ، ووجبته المعتدلة أربعة طن ، هذا السمك يخرج منه تسعون برميلاً زيتاً وخمسون طناً من اللحم ، وخمسون طناً من الدهن ، أرقام مذهلة فالتنوع في البحار لا يصدق ، ترى سمكة مثل المزهرية فيها زهور ، وهي سمكة تمر فوقها السمكة تخدرها وتلتهمها وهي آنية زهور ، الذي في البحار لا يصدق ، والذي رأى رأى ، والذي لم ير لم ير .
 على كل هذه المخلوقات المتنوعة من أجل أن نعرف عظمة الله عز وجل ، وهذا الكون نصب الله فيه الآيات كي نفكر فيه ، تصوروا سمكة عندها إنتانات وتعفنات في حراشفها، يوجد سمكة طبيبة تلتهم هذه الإنتانات ، وهذه التقرحات ، وهذا الالتهاب تلتهمه ويقفن في طابور طويل ، ولا أحد يلتهمها لأن عندها حصانة من أن تؤكل .
 والنوع الثاني : التصاق السمكة بزميلتها تفرز مادة مخثرة ، ومادة قابضة للجلد وقابضة للعضلات ، ومادة لاصقة ، فالجرح عند الإنسان يحتاج إلى عشرة أيام وعند السمكة يحتاج إلى يوم واحد ، وليس له مضاعفات خطيرة ، هذا خلق الله ، قال تعالى:

﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ ﴾

[سورة النمل : 88]

الطحال آية من آيات الله الدالة على عظمته :

 شيء آخر ؛ في جسم الإنسان غدة وزنها مئة وسبعون غراماً ، طولها من عشرة إلى خمسة عشر سنتمتراً ، تحت المعدة اسمها الطحال ، شيء مدهش الطحال مستودع للدم ، في الدول الراقية جداً مولدات كهربائية ، لو صار هناك حرب فجائية عندها مولدات احتياطية تعمل فور تعطل الأولى ، فهذا الطحال معمل لكريات الدم الحمراء ، متى يعمل ؟ في حالات نادرة جداً ، حينما تصاب نقي العظام - مكان معامل كريات الدم الحمراء - بتعطل وتليف يعمل الطحال بتوريد كريات الدم الحمراء ، وهو معمل احتياط ، وهو مخزن احتياط ، وهو مقبرة، وكل ثانية تموت اثنان ونصف مليون كرية حمراء ، يوجد شيء اسمه اقتصاد ، هذه الكريات الميتة بدل أن تطرح بشكل أو بآخر تخزن في المقبرة بالطحال ، في الطحال تحلل إلى موادها الأولية إلى حديد وهيموغلوبين ثم يرسل الحديد إلى معمل نقي العظام ثانيةً كي يعاد تصنيعه .
 أحياناً تلاحظ سيارات مضغوطة ، مكعب سيارات بأكملها ، آلات ضخمة جداً بشكل مكعب يعاد صهرها وتصنيعها مرة ثانية ، هذا شيء اقتصادي ، فالهيموغلوبين من ناتج تحليل الكريات الحمراء يذهب إلى الكبد ليكون الصفراء ، والحديد يرسل إلى نقي العظام ليعاد تصنيعه من جديد ، فالطحال مقبرة ، معمل كريات دم احتياط ، وهو في الوقت نفسه مخزن للدم وذكره النبي عليه الصلاة والسلام أحلّ لكم دمان الطحال أحدهما .
 إلا أن هذا المستودع لا يصرف مخزونه إلا في حالات نادرة ، يصرف عند انخفاض الضغط الشديد ، أو في النزيف الحاد ، أو عند ارتفاع درجة الحرارة ، هذه الحالات الثلاث يستخدم مخزون الطحال ، ويطرح في الدم ثانيةً ، الآن للمعمل هذا خطران خطر أن يتعطل ، وخطر أن يعمل بنشاط زائد ، إذا عمل هذا المعمل بنشاط زائد مات الإنسان لأنه يأخذ الكرية الحمراء الحية فيقتلها ويحللها ، وهو وظيفته أن يأخذ الميتة فقط فيحللها إلى حديد وهيموغلوبين ، أحياناً يشتط في وظيفته فيأخذ الحية يقتلها ويحللها ، لذلك عندنا مرض اسمه فقر الدم الناتج عن ازدياد نشاط الطحال ، فقر دم معه دائماً ، يوجد ثلاثة ونصف مليون عوض خمسة ملايين ، وهذا المرض مميت ، هذا الطحال المعمل والمخزن والمقبرة إذا تعطل مشكلة وإذا عمل بأنشط مما ينبغي أيضاً سبب مشكلة ، وهذا من آيات الله الدالة على عظمته ، قال تعالى:

﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً ﴾

[سورة الإسراء :85]

 شيء بديهي في الطب لكن هل يخطر في بالك أحياناً عندما تأكل شطيرة طحال ، أتعرف ماذا تأكل ؟ تأكل معامل بأعلى درجة من الدقة ، وبأعلى درجة من الاحتياط .

خلق الإنسان في أحسن تقويم وتكريمه أعظم تكريم :

 أيها الأخوة ؛ أقرب شيء إلينا جسمنا ، ويوجد في أجسامنا آيات لا يعلمها إلا الله، وتحتاج إلى تفكر كي تعرف من هو الله ، من هو الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وكرمه أعظم تكريم ، قال تعالى:

﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ * أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً * أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ * أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ * فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ﴾

[سورة البلد :4-13]

 يقول الناس : ما معنى فك رقبة ؟ هل معنى هذا ذبيحة خروف مكتف ؟ لا ، فك رقبة أن تعتق رقبتك من الشهوات ، أن تكون حراً ، لا أن تكون عبداً لشهوتك ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(( تعس عبد الدرهم والدينار، تعس عبد البطن ، تعس عبد الفرج ، تعس عبد الخميصة ))

[أخرجه البخاري في كتاب الرقائق]

 إذا تحررت من شهوتك صار الطريق إلى الله سالكاً ، قال تعالى:

﴿ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ * أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ * ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾

[سورة البلد : 11-17]

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS