12821
شرح الحديث الشريف - الترغيب والترهيب - الدرس ( 048- 116 ) : كتاب الصدقات : الترغيب في العمل على الصدقة بالتقوى والترهيب من التعدي فيها والخيانة .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-07-06
بسم الله الرحمن الرحيم

 

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الغلول و تعريفه:

 عن النبي عليه الصلاة والسلام قال:

(( مَنِ استعملناه على عمل، فرزقناه رزقاً، فما أخذَ بعد ذلك فهو غُلول ))

[ رواه أبو داود عن عبد الله بن بريدة ]

 محل تجاري , فيه موظف، هذا الموظف كلفته أن يشتري حاجة , فاستطاع أن يأخذ حسماً خاصاً له، هذا الحسم وضعه في جيبه، أخذه فوق راتبه من هذا التاجر.

(( مَنِ استعملناه على عمل ))

 أي وظفناه عندنا، أعطيناه، كلفناه بعمل , ورتبنا له مرتباً، فكلفناه بشراء، أو ببيع , أو بحاجة , فأخذ مالاً زيادةً على راتبه الذي أعطاه إياه ذلك التاجر , فقد أكل مالاً حراماً، سماه النبي عليه الصلاة والسلام غلولاً.
الغلول بتعريف الفقهاء هو: الخيانة في المغنم ، والسرقة من الغنيمة قبل القسمة، أصل الغلول المحاربون حينما يكتسبون الغنائم هذه لمجموع المسلمين توزع وفق تعليمات الشرع , فإذا أخذ أحد المقاتلين درعاً لنفسه , ولم يدخلها في مجموع الغنائم , ولم يعلن عنها , فهذا الذي يأخذه سمي غلولاً , و معنى غلول أن الأيدي فيها مغلولة، أي مجعول فيها الغل , وهو الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى عنقه، الأسير أحياناً توضع في يده قيود تربطها بعنقه.
 فكل إنسان أخذ مبلغاً من المال فوق الذي رصد له من قبل سيده، هذا الذي يأخذه غلولاً، لأن يده على مال سيده يد الأمانة، أما إذا كان هذا التاجر أعطى الموظف راتباً قليلاً فله أن يفاوضه، له أن يرفضه، له أن يطالبه بزيادة، أما أن يأخذ له دخلاً آخر من وراء ظهره فهذا من الكبائر، سماه القرآن الكريم وسماه النبي عليه الصلاة والسلام غلولاً.

على الإنسان أن يأخذ ما له و يترك ما ليس له:

 و عن ابن الساعدي قال:

(( اسْتَعْمَلَنِى عُمَرُ عَلَى الصَّدَقَةِ فَلَمَّا فَرَغْتُ أَمَرَ لِى بِعُمَالَةٍ فَقُلْتُ إِنَّمَا عَمِلْتُ لِلَّهِ. قَالَ: خُذْ مَا أُعْطِيتَ فَإِنِّى قَدْ عَمِلْتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَعَمَّلَنِى ـ أي أعطاني عمولة أي أجراً ـ ))

[ أبو داود عن ابن الساعدي ]

هذا الحديث مقابل ذاك الحديث، حتى إذا عملت عملاً إلى الله أُعطيت عليه أجراً لك أن تأخذ هذا الأجر.
 لذلك العاملون على الزكاة ولو كانوا أغنياء يستحقون أجراً على جهدهم، أي الإسلام وسطي، لم يسمح لك أن تأخذ ما ليس لك، كما أنه سمح لك أن تأخذ ما هو لك، فهذا الرجل الصحابي استعمله عمر على الصدقة.
فلما فرغت أمر لي بعمالتي، فقلت: إنما عملت الله، قال: خذ ما أُعطيت فإني قد عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعملني، أي أعطاني عمولة، أي أجراً.
فلك أن تأخذ ما هو لك، وينبغي أن لا تأخذ ما ليس لك.

على الإنسان أن ينتبه لئلا يعين الآخرين على الخيانة:

 بالمناسبة أنت تبيع حاجات جاءك موظف من عند تاجر، طلب منك حاجات إن أعطيته مبلغاً خاصاً على أنه اشترى من عندك هذه الحاجات هذا لا يجوز، لأنه أنت أعنته على ذلك، يقول لك: أريد فاتورة بأعلى، هو يخون سيده، وأنت أعنته على هذه الخيانة بإصدار فاتورة بمبلغ أعلى مما ينبغي، لكن حتى أكون دقيق الحكم لو أن هذا الذي جاءك ليس موظفاً عند هذا الإنسان، أراد أن يأتي بشخص ليس موظفاً عنده، وأنت أعطيته من ربحك لا مانع، أما إذا كان موظفاً عند إنسان وله مرتب فهذه خيانة، أنت أعنته على هذه الخيانة، أما حينما تعطي إنساناً من ربحك من أجل أن يكون عندك دائماً والسعر هو هو لا شيء عليك.
 مثلاً شخص يصلح مركبة عند إنسان، احتاج المصلح إلى قطعة ما فأرسل صانعاً صغيراً لبائع القطع ليشتري القطعة، القطعة سعرها مئة ليرة في السوق كله، فصاحب المحل أعطى هذا الأجير خمس ليرات من ربحه، الأجير هذا وصاحب محل التصليح ليسا موظفين عند صاحب السيارة و هذه حالة خاصة، هذه تجوز، أي إذا تنازلت عن بعض ربحك لإنسان ليس موظفاً عند إنسان هذه نوع من التخفيض، أو نوع من الدعاية، أو نوع من تقليل الربح، من أجل جمع أكبر عدد من الزبائن، هذه فيها فتوى، أما إذا كان موظفاً عنده لا يوجد فيها فتوى، لأنه مؤتمن، فلو أمنت له الحسم فالحسم لمعلمه، وليس له، و إذا كان الوسيط ليس موظفاً عند الطرف الآخر لك أن تعطيه من ربحك شيئاً، نسميها العمولة، لا يوجد أي مانع، لكن صاحب الحاجة لم يدفع فوق سعر الحاجة، لو ذهب إلى أي مكان أخر يأخذ بمئة ليرة، أنت أعطيت هذا الصغير خمس ليرات حتى إذا أرسله معلمه مرة أخرى يأتي إلى عندك، هذه مسموح بها بالشرع، أما الأولى إذا الشخص الذي أخذ المبلغ ـ الحسم ـ موظف عند الطرف الأول لا يجوز.

(( مَنِ استعملناه على عمل، فرزقناه رزقا، فما أخذَ بعد ذلك فهو غُلول ))

[ رواه أبو داود عن عبد الله بن بريدة]

مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ:

 وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

(( لا يدخل الجنةَ صاحبُ مكس يَعْنِي الْعَشَّار ))

[ رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة والحاكم، وقال على شرط مسلم عن عقبة بن عامر ]

 تعريف المكس ؛ الضريبة التي يأخذها الماكس ظلماً وعدواناً، أحياناً إنسان يعمل في وظيفة، يفرض شيئاً على الناس فوق طاقتهم، هو لا يبالي، لا يظن أن هناك حساباً دقيقاً، فأحياناً الضريبية تزيد عن الربح كله، فالذي يعمل في حقل الضرائب له عند الله حساب خاص، أحياناً تدمر أسرة.
 أنا أعرف رجلاً توفي بمرض عضال، خلّف محلاً صغيراً، ومركبة حالتها سيئة جداً، قُدّر المحل مع المركبة بمليون ومئتي ليرة، والضريبة بستمئة وخمسين ألفاً ! ضريبة تركات، فهذا الذي يفرض هذه الضرائب، هكذا من دون قيود، هذا له حساب خاص عند الله، هذا إنسان ترك خمسة أيتام، ثلثا دخله، ثلثا التركة فرضها هذا الموظف.
 فلا تظن إن كنت موظفاً أنك غير محاسب، الله يحاسب الكل، هذا الذي أمامك إنسان، عبد من عبيد الله عز وجل، فأنت تستطيع أن تضع عليه ثمانمئة آلاف، وتستطيع من الشريحة الدنيا أن تضع عليه مئتي ألف، بثمانمئة دمرته وبالمئتين خففت عنه.
إذاً:

(( مَن لا يَرْحَمْ لا يُرْحَمْ ))

[ متفق عليه عن أبي هريرة ]

 فالإنسان يجب أن يهيئ لله جواباً عن كل قرار اتخذه، و إلا الله عز وجل

﴿ إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ ﴾

( سورة البروج )

العاقل من هيأ لله جواباً عن كل سؤال قبل أن يلقاه:

 أنا كلمتي دائماً مع أخواننا الذين يعملون في الحقل العام: هيئ لله جواباً، لا تفكر في عبد لله، هيئ لربك جواباً، هؤلاء الذين أمامك، أحياناً أشعر أن هؤلاء الموظفين يغيب عنهم أن الله سيحاسبهم حساباً عسيراً، أنت لم تفعل شيئاً إلا أن حملت الإنسان فوق ما يطيق، وفي حالات كثيرة جداً هو يظن أنه حقق أو عمِل عمَلاً كبيراً، أنت قوى، والطرف الثاني ضعيف، فأنت يجب أن تخشى الله عز وجل، وكل إنسان إذا كان عمله يقوم على إيقاع الأذى بالناس، هذا العمل ليس مشكوراً فليعمل عملاً آخر.

(( لا يدخل الجنةَ صاحبُ مكس يَعْنِي الْعَشَّار ))

[ أخرجه أبو داود عن عقبة بن عامر]

 قال: الذي يأخذ المال ظلماً، وعدواناً، والعشار أيضاً يأخذ العشر من دون حق، لا يدخل الجنة.
أحياناً أنت تستطيع أن تؤذي إنسان، بأن تفرض عليه مبلغاً من المال، هذا المال أخذته بغير حق، و:

(( أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ضَرَبَ على مَنْكَبَيْهِ، ثم قال له: أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إنْ مُتَّ، ولم تكن أميرا، ولا كاتبا، ولا عَريفا ))

[ رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب]

 يعني أنت إذا لك عمل ما له متعلق بحقوق الناس هذه نعمة كبرى، يكون لك عمل لا علاقة له بحقوق الناس.

المال قوام الحياة و الذي يعقد الأمور على الناس هذا له عند الله حساب كبير:

 المال أيها الأخوة قوام الحياة، أحياناً إنسان يموت، ويترك لورثته بيتاً، أو يترك محلاً تجارياً، أو يترك لهم حاجة، أو أرضاً، فلو أننا استطعنا أن نأخذ ثلثا الأرض كضريبة، أو ثلثي البيت دمرناهم، هؤلاء ورثة، هذا المال قوام حياتهم، فهذا الذي يفرض ينبغي أن يتقي الله، ولا يحتج أن هذا ليس بيدي، لا، هناك شرائح وهناك مستويات، وأنت اعمل لله، ومعك حجة قوية، والله عز وجل يزيدك قوة إلى قوته.
أنا أعرف أناساً كثيرين يخشون الله، لا يفرضون إلا ما هو معقول، لا يفرضون إلا بالحد الأدنى، هؤلاء لهم عند الله مكانة كبيرة، والله عز وجل يُمكن لهم مركزهم، مركزه قوي لأنه يعمل لله.
 أروع إنسان أُكبره من يعمل في حقل عام و يرحم الناس، سأل أحدهم إنساناً يعمل في الضرائب عن ضريبة محل يريد أن يشتريه فقال له: انظر هذا المحل، كم أدفع ضريبة عليه ؟ قال له: خمسمئة ألف، قال له: هكذا تقول ؟ اشتراه، و بعد أن اشترى قال له: ستدفع مليونين وخمسمئة ألف، وضع عليه ضريبة، قال له: ألم تقل لي خمسمئة ألف ؟ قال له: هذا الحاضر , هذا الشيء لا يجوز.
 أنا أتوجه بهذا الكلام لكل إنسان يستطيع أن يفرض على الناس فوق طاقتهم، سوف يحاسب، هذا المال قوام الحياة، هذا المال يعيش أسراً، يفتح بيوتاً، يزوج شباباً، فإذا أنت أخذته ظلماً وعدواناً وقفت الزواج، ماذا حلّ محل الزواج ؟ الزنا، افرض أن الناس ليس فيهم دين، أو افرض أن دينهم وسط، أو أن إيمانهم ضعيف، فعندما منعت الزواج حلّ الزنا محل الزواج، و البنت عندما لا تخطب تتعقد و تصاب بالمرض.
والله قال لي أب عن ابنته أنها تخرج بمنتصف الليل بقميص النوم، وتمشي في الطريق، أول خاطب، ثاني خاطب، ثالث خاطب، الأمور معقدة، الأمور صعبة جداً لا يوجد بيوت.
الذي يعقد الأمور على الناس هذا له عند الله حساب كبير.
 مرة ثانية: المال قوام الحياة، تريد أن تزوج أولادك، تريد أن تسكنهم ببيوت، تريد أن تعمل لهم غرف نوم، تريد أن تؤمن حاجاتهم، تؤمن أعمالهم، فالإنسان متى يحبه الله ؟ إذا خدم الناس، إذا رحم الناس، والحديث دقيق:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

من أكرم الناس أكرمه الله و أعطاه و رفع شأنه:

 فأنت أمامك إنسان هذا عبد لله، لا تقل له من أين أنت ؟ هذا إنسان إذا أكرمته يحبك الله، فإذا استطاع إنسان بمكان ما أن ينفع الناس فلينفعهم، والله عز وجل يكرمه، ويعطيه، ويرفع شأنه، ولا تطلب رضا من هو فوقك، اطلب رضا من هو فوق الجميع، ودائماً ضع أمامك أن هذا الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله.
 الآن هناك أمراض نفسية من أين تأتي ؟ من خبر لا يحتمل، هناك أزمات قلبية تأتي فوراً من رقم لم يتحمله، الرقم فوق طاقته، قبل أن تفرض، قبل أن تقول له هذه مصادرة، وهذه عليها ثمانية أمثال، قبل أن تقول هذه الكلمة تصور أنك مكانه، ما الذي يحدث ؟ وهناك أشياء الإنسان لم يرتكب أي خطأ إلا أنه وقع دون قصد في هذا الخطأ، مثلاً تسعيرة وقعت فيجب أن يجلس شهرين في السجن و حريته محجوزة، أنت معك أن تعمل ذلك.
مرة سألني موظف في التموين ماذا أفعل ؟ أنا أردت أن أعمل له نصيحة فيها صدمة قلت له: افعل ما تشاء، ضع الناس في السجن كما يحلو لك، اكتب ضبوطاً، قال لي: ما هذا الكلام ؟ قلت له: أما إذا كنت بطلاً يجب أن تهيئ لله جواباً عن كل ضبط، لماذا فعلت هذا ؟ يمكن أن تدمر أسرة، يمكن إنسان محترم جداً يدخل ويقعد مع مجرمين، يقعد مع قتلة، هذا الشيء غير صحيح، لست مقتنعاً به.

الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله:

 لذلك الدرس هذا متعلق بكل إنسان يعمل بعمل يستطيع أن يوقع الأذى بالناس، أو يكلفهم ما لا يطيقون، يجب أن يتقي الله، الإنسان بنيان الله وملعون من هدم بنيان الله، و لا تقول: أنا مضطر، لا، القانون مرن، وفيه شرائح، ومعك حجج، ودائماً الإنسان يرحم الناس، يضع الحد الأدنى.
 والله أنا من يومين أو ثلاثة سمعت عن إنسان لا يملك والله ثمن طعامه، فرض عليه ثمانية ألف فجأةً، من أن يأتي بهم ؟ أي سيختل نظام الأسرة، تحتاج رحمة.
مرة أخرى:

(( إن كنتم تحبون رحمتي فارحموا خلقي ))

[ الديلمي عن أبي بكر]

 هذا الذي أمامك إنسان، مرة أخرى لا تقل له من أين أنت ؟ اخدم هذا الإنسان كائناً من كان، والله يراك، وسوف يحفظك، ويحفظ لك صحتك، ويحفظ لك أهلك، وأولادك، ويرفع شأنك، ويقوي مكانتك بخدمة خلقه، فالحديث:

(( أَفْلَحْتَ يَا قُدَيْمُ إنْ مُتَّ، ولم تكن أميرا، ولا كاتبا، ولا عَريفا ))

[ رواه أبو داود عن المقدام بن معد يكرب]

 هناك وظائف الإنسان إن لم يتقِ الله فيها مشكلة كبيرة، لا تقل أنا لست مسؤولاً، أنت المسؤول أبداً.

(( كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسؤْولٌ عن رَعِيَّتِهِ ))

[ متفق عليه عن عبد الله بن عمر ]

 إياك أن تقل لست مسؤولاً، لا أنت تقدر، تقدر أن تدفع وتطلب من الله المعونة، ومن هم أعلى منك يقرونك أكثر، يقدرونك، ويحترمونك، ويعطونك حاجتك، إذا أنت رحمت الناس، والذي أعلى منك ليس منتبهاً، أنت على مساس مباشر مع هذا الإنسان.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS