9479
شرح الحديث الشريف - جامع الأحمدي - الدرس ( 104-119 ) : النصيحة 2
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-12-27
بسم الله الرحمن الرحيم
 الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

ما يتميز به المؤمن :

 أيها الأخوة الكرام:
 في الدرس الماضي: تحدثت عن النصيحة, وكيف أن الدين كما عرفه النبي -عليه الصلاة والسلام- تعريفاً جامعاً مانعاً, قال:

((الدين النصيحة))

 أي من لم ينصح فلا دين له, كيف أن النبي -عليه الصلاة والسلام-, قال في بعض الأحاديث:

((ألا لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد له, ومن لم ينصح فلا دين له))

 الشيء الذي يميز المؤمن عن غير المؤمن: أنه ينصح.

قارن بين الموحد والمشرك :

 أحد الأخوة الكرام, يبحث عن عمل, يعني تصور أن بعض مصالح الحلويات مصلحة مربحة, وجيدة, قلت له: اسأل من في السوق, لعلهم ينصحونك بالإقبال على هذه الحرفة, أو بتركها.
 والله -أيها الأخوة- كما قال لي: يعني السوق الرئيسي لهذه البضاعة, محل, محل سأل, الجواب متوافق: مصلحة فاؤرة, متي خزمتي, هذا كلام التجار.
 هل يعقل ثلاثون تاجر, وثلاثون بأضخم سوق لهذه البضاعة, تكون هذه أجندتهم؟.
 أنا لا أزكي على الله أحداً, أعرف فيهم واحداً لم يلتق به, أعرفه صالحاً, قلت له: اذهب واسأله بالذات, عن رأيه في هذه المصلحة, قال له: مربحة جداً, موادها الأولية موجودة, وبيعها سهل, وليس لها سلوكات, وأنا أساعدك, نظرت إلى الفرق الصارخ؟.
 مؤمن لأنه يخشى الله, المشرك يخاف يدخل على المصلحة شخص يخلصه الرزق, لأنه لا يؤمن بالله الرزاق.

ليس الدين بالعبادات فقط وإنما بالمعاملات :

 تضع ابنك عند شخص يعلمه المصلحة؛ يستخدمه لتنظيف المحل, ولجلب الغداء, ولاستخدامه الشخصي, أما عند فك المحرك, اخرج, هذا وحش, ولم يدفع أجرة, على أساس أنه يعلمه المصلحة, لم يعلمه شيء, استخدمه استخدام رخيص, الدين, هذا الدين؛ أنت في المسجد, من أجل أن تقبض ثمن طاعتك لله, ومن أجل أن تتلقى التوجيهات.
 الآن في شركات, عندها مندوبون مبيعات, ليس لها دوام في الشركة, يأتي الساعة الثامنة, يتلقى التعليمات, يذهب, يأتي الساعة الثانية, يعطي المبيعات الرصيد.
 فليس كل إنسان دخل المسجد, صار صاحب دين, المسجد دوره تتلقى منه التعليمات, وتنطلق إلى العمل, وتنفذ التعليمات, ترجع تصلي مرة ثانية, تقبض الثمن من الله عز وجل؛ فدور المسجد أخذ التعليمات, وقبض الثمن, تماماً كمندوب المبيعات, يتلقى التعليمات من مدير الشركة, ويبيع, يرجع يقبض عمولته.
 وكل إنسان توهم: إذا كان دخل المسجد صار مسلم, لا؛ الدين في الأسواق, الدين في المحل التجاري, الدين أثناء عقد الصفقة, الدين إذا سئلت لا تكذب.

من صفات التجار الصالحين :

((إن أطيب الكسب كسب التجار؛ الذين إذا حدثوا لم يكذبوا, وإذا وعدوا لم يخلفوا, وإذا ائتمنوا لم يخونوا, وإذا باعوا لم يطروا, وإذا اشتروا لم يذموا, وإذا كان لهم لم يعسروا, وإذا كان عليهم لم يمطروا))

 سبع صفات للتجار.

تاجر لا يخاف الله :

 حدثني شخص قال لي: أنا دخلت لمصلحة القماش جديد, جاهل, لا يعرف, اشترى صفقة, نوع من أنواع الأقمشة؛ جورجيت أسود, عرضها على تاجر كبير مستورد, أما أعطاه كلام: الله يصلحك يا بني, هل يوجد أحد يأخذ خمسة آلاف ليرة؟ هل يوجد أحد يأخذها عرض واحد, ليس لها حل؟ هذه لا تباع, ولا بشكل, الله يصلحك؛ أظهر عطف عليه, أظهر شفقة, أظهر غيرة, أظهر, أظهر, هذا الذي اشتراها مسكين برك, لم يعد فيه يقف, بعد ذلك تفضل عليه, أخذها برأس مالها, كان وقتها الريال بثلاث عشرة ليرة, تفضل عليه, أخذها برأس مالها, باعها في اليوم الثاني بثلاث وعشرين, وقت كان الدولار بثلاث ليرات وثمانين قرشاً, بأساليب ذكية جداً.

((وإذا باعوا لم يطروا, وإذا اشتروا لم يذموا))

 دينك أثناء البيع والشراء, دينك بالحسابات, مع شركائك, هنا تتلقى التعليمات, وتقبض الثمن فقط, تقبض العمولة, أما ليس كل إنسان دخل المسجد صار صاحب دين.
 أكثر الناس يقول لك: والله صاحب دين, حسناً: ما الدليل؟ يصلي, لا يكفي أنه يصلي, الدين المعاملة, والدين النصيحة, هل تنصح؟ نعم.

واقعة :

 قال لي أخ: عندي قطعة لسيارة, صار لها خمس سنوات تتحول من جرد إلى جرد, ثمنها عشرون ألف, جاءه زبون قال له: خفضها لي, قال لي: وأنا على السلم, قال له: أصلية؟
 قال لي: سأقع من السلم, هذه ليست أصلية, وصار لها خمس سنين, ومبلغها جيد, صار معي صراع, قال له: لا ليست أصلية, قال له: خفضها, خفضها, صار البيع حلال؛ فدينك في بيعك, دينك في جوارك, دينك في معاملتك, دينك في نصيحتك, لما تكون مستقيماً بالطريقة هذه, تقبض الثمن من المسجد, تقبض الثمن الباهظ من الله عز وجل.

هذه هي النصيحة :

 ف

((الدين النصيحة, قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله, ولكتابه, ولرسوله, ولأئمة المسلمين وعامتهم))

[أخرجه مسلم في الصحيح, وأبو داود والنسائي في سننهما]

 يعني: أن تنصح الناس أن يأتمروا بما أمر الله, وأن ينتهوا عما نهى عنه الله, وأن تنصح الناس أن يأتمروا بما أمر النبي الكريم, وأن ينتهوا عما نهى عنه النبي الكريم, وأن تنصح الناس أن يقرؤوا القرآن, وأن يؤمنوا بالله, وأن يقبلوا عليه, وأن يحبوا.
 لله, ولكتابه, ولرسوله, وأن تنصح أئمة المسلمين, -نصيحة, كما قال تعالى:

﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾

[سورة طه الآية:44]

 ولعامتهم.
 حاول تنصح كل إنسان.
 ف

((الدين النصيحة))

 تعريف جامع مانع؛ إن نصحت المسلمين, فأنت مسلم, وإن لم تفعل ذلك, فلست من الإيمان في شيء.

بيعة مباركة :

 الحديث الثاني: عن جرير بن عبد الله -رضي الله عنه- قال:

((بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على إقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والنصح لكل مسلم))

[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]

 حينما تتوهم أنك إذا كذبت على الناس تربح, هذا وهم ضال, حينما تتوهم أنك إذا حلفت يميناً كاذبة تبيع هذه البضاعة, هذا وهم, وهم منحرف جداً, اليمين الكاذبة منفقة للسلعة, ممحقة للبركة.
 يعني تجمع الأموال على مدى طويل, بحكمة الله عز وجل تدفعها في يوم واحد؛ مصادرة, أو خطأ, أو يعني غرامة, أو ما شاكل ذلك, فحينما تتق الله في كسب المال, يجعل الله لك مخرجاً من إتلافه, المال لا يتلف, حينما تكسب مالاً حلالاً, يبارك الله لك فيه.
 إذاً:

((بايعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على ﺇقام الصلاة, وإيتاء الزكاة, والنصح لكل مسلم))

[أخرجه البخاري في الصحيح, وابن خزيمة في صحيحه]

من هو المؤمن؟ :

 أما الحديث الدقيق جداً, الذي هو محور هذا اللقاء ......
 يقول عليه الصلاة والسلام:

((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

 وله زيادة ببعض الروايات:

((وحتى يكره لأخيه ما يكره لنفسه))

 فأنت حينما تحب للمسلمين ما تحب لنفسك, فأنت مؤمن, وحينما تكره لهم ما تكره لنفسك, فأنت مؤمن, أما حينما لا تعاملهم إلا بفوقية.

مصلحة شخصية :

 مرة التقيت مع صاحب معمل مياه غازية, قال لي: والله أنا لا أذوقه هذا, لأنه يعرف ماذا وضع, لا يذوقه.
 حسناً: هل يجوز أن تبيع شيء للناس أنت لا تشربه, لا يعجبك, كلها مواد كيماوية, كله حمض الليمون, هذا القلوي, الذي يهري المعدة هري ممكن؟ المؤمن يعامل الناس.

شخص يخاف الله :

 والله في أخ من أخواننا, أنا والله أحبه وأكبره, عنده معمل يعني حلويات للصغار, قال لي: هؤلاء الأطفال أبناء المسلمين, يجب أن أطعمهم أفضل شيء, قال لي: والله أحسن زبدة, أحسن شوكولا, أحسن بكم بودر, أحسن مواد, قال لي: ينبغي ألا أربح, لأن المنافس لي, يأتي بمواد منته مفعولها, المواد الغذائية إذا انتهى مفعولها لا تباع, لكن أين تدفن؟ تدفن بالمعامل, هذه الزبدة انتهى مفعولها, فإذا كان باعها لمعمل, يبيعها, فيأخذها بثلثي القيمة, فصار كلفته متدنية جداً, فيبيع برخيص.
 قال لي: كل المنافسين بضاعتنا سيئة, ينبغي ألا أربح, قال لي: والله أربح, وأعيش حياة كريمة, ويزوج الشباب, بنيته العالية, هؤلاء الأطفال, أخذ طفل من أبيه خمس ليرات, يجب أن أطعمه مادة فاسدة, مادة منته مفعولها؟ أين الإيمان؟ لما تعامل الله, تجد الناس كلها معك؛ تجد الله يحفظك, الله يحميك, تجد أنت لك مكانة, لك هيبة, لا أحد يستطيع أن يصل إليك, أما حينما تغش المسلمين, ولا تخاف الله فيما بينك وبينهم, يفضحك فيما بينك وبين الناس.

احفظ هذه الكلمة :

 يعني: كلمة سأقولها, لكن اعتبروها يعني دقيقة جداً: لا يمكن تخاف من الله بينك وبينه, ويخوفك من أحد, لا يمكن تخاف من الله بينك وبينه.
 يعني أحياناً: يأتيك زبون, غشيم, لا يفهم شيئاً, نصحته, بعته بسعر معتدل, ولم تحرمه, لأنك خفت من الله, هذا المحل صعب صاحبه يخاف من موظف, صعب جداً, الله عز وجل يحميه, لأنه خاف بينه وبينه, أما إذا كان استغليت جهل شخص ......

والله من ورائهم محيط :

 يعني: مرة في صديق, يعني صديق عمل, قال لي: عندي سيارة, والله فيها -قال لي:- عطل كبير جداً, فيها بالمحرك شق, الحمد لله بعناها وألبسناها لشخص, هكذا قال لي بالضبط, باعه وألبسه ﺇياها, كان في وقتها الكولف بطرطوس, طلع أخذ جي إل, يعني أحدث موديل, أحلى لون, لون بيج على كحلي, جديدة مثل العروس, ورودجها بالطريق ثلاثة أيام, جاء لعندي مضطرب اضطراب شديد, قال لي: دخل فيها باص بالمخيم روحها كلها, قلت له: ألم تقل لي: أن هناك ألبستها تلبيس لشخص؟.
 الله كبير, لو بينت عيبها, لا يوجد مشكلة, لو بينت عيبها بالسعر الجرد, تباع بهذه الطريقة, أخي هذا المحرك المتعلق به سيء, مشعور, يحتاج إلى تبديل, وسأخصم لك على المحرك خمسة وعشرين ألفاً, لا يوجد مشكلة أبداً, بعتها حلال, فلما خاف من الله بينه وبينه الله, دفعه الثمن عشرة أضعاف باهظ, فالنصح للمسلمين.

قصة :

 لي ابن عم -توفي رحمه الله- يعمل بعمل بالسيارات, له جار, جاءه شخص, يعني هو من دمشق, لكن مقيم في الكويت, أتى بسيارة من الوكالة جديدة, وفيها مشكلة, وجاهل, له, له, له, ما فيه إلا يقول: أف, يعني يظهر عجب أنه في مشكلة كبيرة, قال له: هذه تحتاج عشرة آلاف تصليح, يحتاج إلى فك غطا الكولاس, ويحتاج إلى, ويحتاج إلى ....... ذكر له أشياء لا تعد ولا تحصى.
 قال لي: هذه فيها وسخة بالكربرتير, تحتاج إلى عمل خمس دقائق, عرفه جاهل, ويخاف عليها, استغل هذه النقطة, قال له: والله تحتاج إلى ثلاثة أيام, ذهب يوم فيها على الزبداني, يوم على المطار, ويوم على الوادي, هو وعياله, ثالث يوم أعطاه إياها, وأخذ العشرة آلاف.
 قال لي: ابنه يعمل بمخرطة, دخلت نسرة فولاذ في عينه, أخذه على بيروت, دفع ستة عشر ألف ليرة لبناني, كانت الليرة مئة وستين ليرة سوري, الليرة كانت مئة وستين قرش, دفع حوالي اثنين وعشرين ألف, من أجل نزع -ماذا قلت لكم؟– نسرة فولاذ بقرنية ابنه.
 فقال له جاره: وفت معك؟ هذه بتلك.
 قال له:

((يا رب, كم عصيتك ولم تعاقبني؟ قال له: يا عبدي, كم عاقبتك ولم تدر؟))

 النصح لكل مسلم, لما تخاف منه, لا يمكن يخوفك من غيره, لما لا تخاف منه, يوجد في الحياة مطبات لا تعد ولا تحصى, مطبات تلبسك ألف مشكلة, تدفع بالمئات, مئات الألوف, أحياناً بالملايين.

من أيام الله :

 يعني: شخص من مدة, من حوالي سنة تقريباً, يعمل عملاً غير قانوني, نبهوه: أن العين الآن حمرة عليه, لا تفعل شيئاً, لو لم يفعل شيء نفد, ركب رأسه وفعلها, أول رقم طلبت منه مئة وثمانين مليون, أول رقم طلب منه مصالحة لهذه الغلطة مئة وثمانين مليون, كان ظالماً امرأة, ظالمها ظلم شديد, وعدها بالزواج ولم يتزوج منها, وطردها, ودعت عليه, في اليوم الثاني وضع مئة وثمانين مليون, فلا تظن أمورك جزافاً, كل شيء يحاسبه بحساب دقيق.

انظر إلى فقه هذا الرجل :

 قال له:

((عظن ولا تطل, قال له: -فمن يعمل مثقال ذرة خيراً يره* ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره- قال له: كفيت, فقال: فقه الرجل))

 صار فقيهاً, لا تحتاج إلى عي كثير, لا تحتاج إلى مئة ألف درس, آية واحدة, قال له: اكتفيت.
 انتهى, اكتفيت؛ لو تعاملنا مع الله هكذا, لكنا في حال غير هذا الحال, ما كنا بهذا الشكل, معرضين كجيراننا للعدوان, لأن الله عز وجل قال:

﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

[سورة الروم الآية:47]

﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾

[سورة الحج الآية:40]

﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾

[سورة النساء الآية:141]

عامل الناس كما تحب أن يعاملوك :

 فهنا الحديث:

((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

[أخرجه البخاري ومسلم في الصحيح, والترمذي والنسائي في سننهما]

 إذا تريد مقياس دقيق, دقيق, دقيق, لا يخطىء, مستنبط من حديث: عامل الناس كما تحب أن يعاملوك.
 وانتهى الأمر, والحمد لله رب العالمين.

دعاء الختام :

 بسم الله الرحمن الرحيم, الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.
 اللهم أعطنا ولا تحرمنا, أكرمنا ولا تهنا, آثرنا ولا تؤثر علينا, أرضنا وارض عنا. وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم.
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS