19138
السيرة - هدي النبي صلى الله عليه وسلم - الدرس ( 42 - 48 ) : هديه في حب الحياة أثناء الحياة وحب لقاء الله أثناء النزع .
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1998-06-29
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين.

الحياة فرصة لا تعوض يُبنى عليها حياة أبدية :

 عن عائشة رضي الله عنها قالت, قال عليه الصلاة والسلام:

((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه, ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟ قال عليه الصلاة والسلام: ليس كذلك, ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله, ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه, وإن الكافر إذا بُشر بعذاب الله وسخطه, كره لقاء الله, فكره الله لقاءه))

[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن عائشة]

 الحديث دقيق, الإنسان ما دام حياً, قلبه ينبض, يكره الموت, لأن الله عز وجل ركب في أعماقنا حبّ الحياة, هذا كلام حقيقي, وواقعي, ما من واحد على وجه الأرض يتمنى الموت, إلا أن المؤمن يكره الموت, ويحب الحياة, ليزداد عمله الصالح, الحياة فرصة لا تعوض, هذه الفرصة سوف يُبنى عليها حياة أبدية, سيبنى على هذه الحياة المحدودة, الأيام المعدودة, حياة أبدية, ولا يوجد إنسان يشعر أنه وصل للقمة, دائماً هناك تقصير.
فالإنسان إذا كان عنده بحبوحة في الحياة يتلافى التقصير بعمل صالح, بتوبة, بإخلاص, بطلب علم, إلى آخره.

طالب الحقيقة لا يداري ولا يماري :

 فلما قال:

((....من كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟...))

 أول ملاحظة: طالب الحقيقة صريح, طالب الحقيقة لا يداري ولا يماري, ولو كان مع رسول الله, السيدة عائشة مع رسول الله.
 فأنا ألاحظ أحياناً ضمن حلقة بسيطة, إذا سئلنا ماذا يرضي الشيخ؟ نجاوبه رأساً, مثلما يريد, نرتاح ونريحه, هذا طريق غير علمي, طالب الحقيقة يناقش, لا يقبل شيئاً لم يقنع به, أي أنا أجيب كما يرضي فلان حتى أحظى عنده, لا.
صلى النبي ركعتي الظهر, فلما سلم أحد الصحابة الذين هم أضعف شأناً من بين أصحابه - ذو اليدين-, قال: "يا رسول الله, أقصرت الصلاة أم نسيت؟ – طبعاً بأدب يسأل رسول الله- فقال عليه الصلاة والسلام: كل ذلك لم يكن, -ما سكت ولا تراجع-, قال له بعضهم قد كان, فالنبي سأل أصحابه: -الآن طلب التواتر, الآن يوجد عنده رواية آحاد, شخص قال له: أنت صليت ركعتين, فسأل الصحابة, قالوا: ركعتين-, فقال عليه الصلاة والسلام: إنما نُسِّيت كي أسن, لولا أنني نسيت كيف أسجد لكم سجود السهو؟":

﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى* إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ﴾

[سورة الأعلى الآية:6-7]

الصادق يسأل و يناقش و يرفض المجاملة و المحاباة :

 أنا قصدت من هنا: الصادق يسأل, والصادق يناقش, والصادق واقعي, والصادق لا يقبل شيئاً ما قبله طالب حقيقة, القضية ليست قضية تجمع مصلحي, مجاملة, المصالح محققة في هذا التجمع, يتكلم كما يريد, ونحن نرضيه, أمورنا ميسرة, لا, هذا كلام مرفوض.
 يروون عن رجل -هذه قصة رمزية لكن عميقة جداً- انكليزي, استأجر حمارة يركبها، و صاحب الحمارة يمشي إلى جانبه, ويسبه سباباً شديداً, وهو يظن أنه لا يعلم العربية, فمر شخص يعرف هذين, قال له: ﺇنه سبّك, قال له: أعلم أنه يسبني, لكن الحمارة تسير.
 أحياناً لا يهم الإنسان إذا كان هناك قضية تجمع مصلحي, حلقات علم, أساسه أن يؤمن مصالحه, يقول: علينا ألا نناقشه، و لو تكلم غلطاً نقبل منه, ولو لم تقتنع نقبل منه, ماذا تكلم نقبل منه, نريد أن نسير أمورنا, هذه علاقة, ليست علاقة علمية, هذه علاقة مصلحة, علاقة نفاق, أما العلاقة العلمية فأنا لا أقبل شيئاً حتى أقتنع فيه.
 أي الذي يطلب يعلم, يريد أن يقتنع بالعلم, لا يوجد حل وسط, ولا مجاملة, ولا محاباة.
 أي:

((من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه, ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه, فقلت: يا نبي الله أكراهية الموت, فكلنا نكره الموت؟ - والسيدة عائشة مؤمنة كبيرة- قال عليه الصلاة والسلام: ليس كذلك, ولكن المؤمن إذا بُشِّر برحمة الله- أي هو على فراش الموت, وفي النزع الأخير, وقد علم أنه مغادر الدنيا, فإذا بشر برحمة الله, من علامات الإيمان أن الله يُري المؤمن ساعة نزعه مقامه في الجنة- ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله ...))

عمل المؤمن الطيب يجعله يحب لقاء الله عز وجل :

 أقول لكم هذا الكلام: سمعت عن بعض الصالحات والصالحين, هم على فراش الموت, قال لها ابنها: شفاك الله لنا, قالت له: يكفي هذا, لا أريد الدنيا, زهقت منها, أريد الله, هذا شيء ثابت, فالإنسان إذا كان عمله طيباً, ومستقيماً، تمنى لقاء الله عز وجل.
 والله أعرف رجلاً, أنا لا أعرفه شخصياً, لكن سمعت عنه, رجل له محل بالحريقة صالح جداً, له ميزة, ما دخلت عليه لجنة لجلب التبرعات إلا وقال لها: هذا الصندوق, افتح وخذ ما تشاء, ولا تعلمني كم أخذت, هكذا طبيعته, لا يسمح له أن يقول له: كم؟ خذ ما تشاء, عمّر مسجداً, له أعمال طيبة, يحب الخير, صار معه ورم خبيث بالدم, وذهب إلى بلد بعيد ورجع, القصة طويلة لكن ملخصها: في البيت عدة هواتف, رن التلفون, رفع السماعة, ردّ ابنه, هو يسمع أن أجله ينتهي بعد يومين, قال له: مع أبيك يومان, - القصة رواها لي صديقه-, لما عرف نفسه منتهياً, قبل ثلاثة أيام اتصل بصديقه و طلب منه أن يأتي إلى عنده– هو مستورد- قال له: هذه الصفقة مدفوع ثمنها, تتابع استيرداها, وتبيعها, وتعطي أرباحها لأولادي, هذه الصفقة لم يدفع ثمنها, ألغها, وقل لهم: الشخص سيموت.
 أعطاه تعليمات بكل الصفقات, وكل المستودعات, وكل الذمم, خلال ساعتين أو ثلاث, أنهى كل علاقاته المالية, في اليوم الثاني استدعى كل أقربائه, وأولاده, وأصهاره, وبناته, وودعهم, في اليوم الثالث له بالشام شيخ مشهور, -الآن خارج سوريا-, غسل نفسه بيده, وجلس على السرير, وجاء الشيخ, وعملوا له مولداً لمدة ساعة, ومثلما جاء بالهاتف بالضبط توفي الساعة الواحدة ونصف تقريباً.
 يقول لي صديقه الذي وكله بتجارته: أنا لم أر إنساناً تلقى نبأ الموت برحابة صدر, قال له: يا أبو فلان أنا انتهيت, الحمد لله.
 عمله الطيب جعله يحب لقاء الله عز وجل, هذه هنا النقطة أن يكون لك عمل.
 لو قيل لك: تعال معنا, أهلاً وسهلاً, أنا منتظر هذه الساعة.
 فالمقياس ليس أثناء الحياة تحب الموت, لا, هذا الكلام ليس واقعياً, الشيء الواقعي كل واحد منا يحب الحياة, بل إن المؤمن يحب الحياة أضعاف ما يحبها غير المؤمن, لماذا؟ لأن الله عز وجل أقامه بعمل صالح, والعمل يزداد, في تقدم, فكل إنسان يحب الحياة, وهذا الشيء الواقعي؛ لكن وهو على فراش الموت, وهو في النزع الأخير, رأى مقامه في الجنة, فقال: مرحباً بلقاء الله.

المؤمن يرحب بلقاء الله عز وجل عندما يشعر أن الموت قريب :

 لذلك: اقرؤوا سير الصحابة وانظروا, القاسم المشترك عند كل الصحابة أن كل واحد منهم كان في أسعد لحظات حياته ساعة لقاء الله.
 ما هذا؟ "واكربتاه يا أبت!؟ -ما هذا الكلام!؟- قال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم, غداً نلقى الأحبة محمداً وصحبه".
 أنا تقريباً قرأت سيرة سبعين أو ثمانين صحابياً، كانت ساعة الفراق في أسعد لحظات حياته, يا أخوان هذا الآن درس بليغ لنا, اعمل عملاً صالحاً بإخلاص, بحيث لو شعرت أن الموت قريب, لا يوجد عندك قلق شديد, لا يوجد خوف, مرحباً بلقاء الله.
 إذا شخص حج حجاً مقبولاً, وحدث معه أحوال في الحج, واصطلح مع الله, عندما ينتهي من عرفات, لو فرضنا هكذا جاء ملك الموت نظيفاً.
 فالإنسان ينظف حاله, يجهز حاله, يصطلح مع الله, يؤدي الذمم والحقوق, لا يطمع بالدنيا, فهذا الحديث مؤشر.
 الإنسان أحياناً يوهمه الله أن أجله انتهى, الله عز وجل مربٍّ, له أساليب عجيبة, هو سيعيش ثلاثين سنة أيضاً, لكن يلقي في روعه أنه انتهيت, يصير خطأ في التشخيص, مرض عادي, لكن أخذ نتيجة غيره, فيشعره أن الأجل انتهى, ما ردّ الفعل عند المؤمن؟ المؤمن يرحب بلقاء الله عز وجل.
 قالت:

((يا نبي الله أكراهية الموت؟ فكلنا نكره الموت, قال: ليس ذلك, ولكن المؤمن إذا بشر برحمة الله, ورضوانه, وجنته, أحب لقاء الله))

المعاصي و الآثام تجعل الإنسان يكره لقاء الله عز وجل :

 بالمقابل: إذا كانت حياة الإنسان معاص, وآثاماً, ومالاً حراماً, وفسقاً, وفجوراً, وجاء ملك الموت يكره لقاء الله.
 أعرف رجلاً متفوقاً بالدنيا تفوقاً شديداً, عنده خبرة بالتجارة عالية جداً, أصيب بمرض خبيث و هو ما يزال في الثامنة و الثلاثين من عمره، الأهل لم يبلغوه, فله ابن عم -أحد أخواننا- زاره, سمع منه كلاماً بذيئاً لا يُقبل؛ له صاحبات, وله عشيقات, وله شراب, وأموال كثيرة, فلما علم أنه مصاب بمرض خبيث, كانت تأتيه حالات هستريا كل دقيقتين أو ثلاث, يبحث, يقول: لا أريد أن أموت.
 يقول أحد جيرانه في البناء: والله سمعنا صياحاً, لا يوجد بيت في البناء لم يسمع صوته, عندما فارق الحياة صرخ صراخاً شديداًً.
 الحالة واضحة, إنسان أحبّ لقاء الله, وهو على فراش الموت, رأى مقامه في الجنة, بشر بالجنة, فأحبّ لقاء الله, وإنسان آخر عمله سيئ, عندما عرف مكانه في النار, صرخ خوفاً وذعراً.
 فالكافر وهو على فراش الموت حينما يرى مكانه في النار يصيح صيحة لو سمعها أهل الأرض لصعقوا.

الإنسان يكره لقاء الله بسبب المعاصي والآثام ويحب لقاء الله بسبب الأعمال الصالحة:

 هناك حديثان خطيران بالمعنى نفسه, قال:

((إذا أحبّ لقائي أحببت لقاءه, وإذا كره لقائي كرهت لقاءه))

[أخرجه البخاري ومسلم والنسائي ومالك في الموطأ عن أبي هريرة]

 والحديث الأخير:

((من أحبَّ لقاءَ الله أحبَّ الله لقاءه، ومن كَرِهَ لقاءَ الله كَرِهَ الله لقاءه))

[أخرجه مسلم عن أبي هريرة]

 والحقيقة الإنسان يكره لقاء الله بسبب المعاصي والآثام, ويحب لقاء الله بسبب الأعمال الصالحة والطاعات.
 هذا الذي أحبّ أن يلغي الإسلام بتركيا نهائياً – أتاتورك- يقولون: قبل أن يموت بأسبوع كان يرى النار تحرق بيته, يطلب مدير الإطفائية, و يسبه, و يقول له: ألا تطفئ النار؟ فيجيبه أنه لا يوجد نار! أناس يرون ثعباناً, أناس يرون ناراً تشتعل, الحقيقة: شيء مخيف.
 أنا لي صديق, له عمة توفيت, قال لي: ثماني سنوات أراها تشتعل, النار تشتعل بثيابها, وهي في حالة صعبة جداً, بعد ثماني سنوات رأيتها في حالة طيبة, سألتها عن حالها, قالت له: يا فلان الحليب.
 لها زوج متزوج من غيرها, وله أولاد, تسقي ابنها حليباً كامل الدسم, وابن زوجها نصف الكأس كان حليباً ونصفه ماء, توفر الحليب لأولادها, تسقي أولاد زوجها نصف الكأس حليب, وتضع ماء, يصبح الكأس مليئاً وتسقيه.
طبعاً الرؤيا ليست حكماً قطعياً, لكن يستأنس بها, فحسب هذه الرؤيا ثماني سنوات تُعذب في النار بهذا العمل البسيط.
 هناك أخ من أخواننا له أخ توفي, تاجر في سوق الهال, تحت يده ثمانية آلاف ليرة لإنفاقهم في الخير, كان يصرفهم على حاله, ولم يدفعهم, ومات, رآه يشتعل, قال له: الثمانية آلاف يا أخي, والله جاء أخوه و دفعهم لأحد الأخوان حتى الله عز وجل أنقذه. فالقضية خطيرة يا أخوان.
 ملخص الدرس: اعمل عملاً إذا جاء ملك الموت تحب لقاء الله, وإياك من عمل إذا جاء ملك الموت تكره لقاء الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS