15236
أحاديث رمضان 1415 - قراءات قرآنية - سورة الأنفال - الدرس ( 16- 49 ) : وصف المؤمنين.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1995-02-08
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

الحكمة من وصف المؤمنين :

 أيها الأخوة الكرام ؛ ربنا سبحانه وتعالى في القرآن الكريم ، والنبي عليه الصلاة والسلام في سنته المطهرة يصف المؤمنين ، والقصد من وصف المؤمنين في القرآن الكريم أن يكون هذا الوصف معياراً ، وأن يكون هدفاً ؛ أي أن يكون معياراً لإيماننا ، وهدفاً نسعى إليه .
 فالله سبحانه وتعالى وصف المؤمنين في أول الأنفال . قال :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[سورة الأنفال:2]

 أدق ما في الآية أن كلمة إنما تفيد القصر ، أي ما لم تشعر بالوجل إذا ذكر الله عز وجل ، وما لم تزدد إيماناً إذا تُليت عليك آيات الله ؛ إن آياته الكونية ، أو آياته التكوينية ، أو آياته القرآنية ؛ آياته الكونية ما بث الله في السموات والأرض من دلائل على وجوده ، ووحدانيته ، وكماله ، وآياته التكوينية أفعاله :

﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾

[سورة الأنعام:11]

 وآياته القرآنية كلامه .
 ما لم يوجل قلبك إذا ذكرت الله عز وجل ، وما لم تزدد إيماناً إذا تليت عليك آياته القرآنية ، والتكوينية ، والكونية فلست مؤمناً :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾

[سورة الأنفال:2]

معية الله معيتان ؛ عامة و خاصة :

 الله سبحانه وتعالى يطمئن المؤمنين ويقول :

﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾

[سورة النحل:97]

 وربنا سبحانه وتعالى يقول :

﴿ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾

[سورة الأنفال:19]

﴿ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾

[سورة البقرة:194]

﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾

[سورة البقرة:153]

 وهذه المعية أيها الأخوة معية خاصة ، لأن المعية العامة :

﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾

[سورة الحديد:4]

 أي أن الله يعلم ما أنتم عليه ، لكن المعية الخاصة معية النصر ، والتأييد ، والحفظ، والتوفيق :

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

[سورة الأنفال:3]

 لم يقل الله عز وجل : الذين يصلون . قال :

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ ﴾

[سورة الأنفال:3]

 وإقامة الصلاة تعني أن تمهد لها بالطاعة ، أن تمهد لها بالاستقامة ، أن تمهد لها بالعمل الصالح ، أن تمهد لها بالإخلاص :

﴿ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

[سورة الأنفال:3]

الحظوظ درجات نرقى بها أو دركات نهوي بها :

 ما من إنسان على وجه الأرض ، إلا وقد آتاه الله حظاً من حظوظ الدنيا ؛ هذا بقوته الجسمية ، وهذا بعلمه ، وهذا بخبرته ، وهذا بقوة إقناعه ، وهذا بماله ، وهذا بجاهه .
 ما من إنسان على وجه الأرض إلا وآتاه الله حظاً من حظوظ الدنيا ، أو أكثر من حظ من حظوظ الدنيا ، هذه الحظوظ ينبغي أن تنفق في سبيل الحق ، والدليل الآخر : الله سبحانه وتعالى يقول مخاطباً قارون :

﴿وَابْتَغِ فِيمَا آَتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآَخِرَةَ﴾

[سورة القصص:77]

 الحظوظ التي آتاك الله إياها ، إنها درجات ترقى بها ، أو دركات تهوي بها ، والله سبحانه وتعالى يبين أن الإيمان ، أن النعمة التي تتوهمها نعمة ، ليست نعمة ، وليست نقمة ، إنما هي ابتلاء موقوف على نوع استخدامه .
 إياكم أن تظنوا أن المال نعمة ، نعمة إذا أنفقته في طاعة الله ، أما إذا أنفق في المعاصي فيصبح نقمة ، إياكم أن تظنوا أن القوة التي يمنحها الله جلّ جلاله لبعض الأشخاص إنما هي نعمة ، نعمة إذا كانت عوناً للمظلوم ، فأي حظ من حظوظ الدنيا يكون نعمة إذا ابتغي به وجه الله ، وأنفق في طاعة الله عز وجل .
 إذاً : ما لم يوجل قلبك إذا ذكر الله ، وإذا تليت عليك آياته ، وما لم تقم الصلاة كما أراد الله ، وما لم تنفق مما أعطاك فلست مؤمناً ، هذا معنى إنما .
 إنما أداة قصر وحصر ، أي المؤمن هكذا ، فإن لم يكن كذلك فليس مؤمناً ، لذلك : الإنسان لا يتوهم ، ويعطي نفسه حجماً أكبر من حجمه ، عندئذ يصاب عند وقت ما بخيبة أمل مرة .

آيات قرآنية تصف المؤمنين :

 حسناً : أنا سأسألكم سؤالاً : هل تذكرون آية قرآنية أخرى تصف المؤمنين لتكون هذه الآية معياراً ومقياساً لنا نقيس بها إيماننا أو هدفاً نسعى إليه ؟ :

﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً﴾

[سورة الفرقان:63]

 أي في تأمل ، في تبصر ، في إدراك ، في تفحص ، في رجوع إلى كتاب الله ، سؤال عن حكم الله في هذا الموضوع ، هوناً .
 أيضاً :

﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾

[سورة المؤمنون:1]

﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾

[سورة المؤمنون:2]

 الخشوع في الصلاة من فرائض الصلاة لا من فضائلها .

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾

[سورة الحجرات:15]

 لا يوجد شك ، لا يوجد تردد ، كما قال الشاعر :

زعم المنجم والطبيب كلاهمـــا  لا تبعث الأموات قـلـــــــت إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر  أو صح قولي فالخسار عليكما
***

 هذا ليس إيماناً ، الإيمان فيه قطع ، فيه يقين :

﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾

[سورة التكاثر:5]

﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾

[سورة التكاثر:6]

 في علم اليقين أن ترى دخاناً وراء الجدار ، تقول : لا دخان بلا نار ، هذا علم اليقين ، وأما حق اليقين فأن تأتي إلى وراء الجدار ، فترى النار ، هذه حق اليقين ، وأما عين اليقين فأن تقترب من النار فتشعر بحرارتها ؛ فلا ينجي الإنسان الظن ، والتردد ، والريب ، لا ينجيه إلا عين اليقين ، وعلم اليقين ، وحق اليقين . أيضاً :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب:36]

 بارك الله بك :

﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾

[سورة الأحزاب:36]

 تختار أنت هذا البيت ، أو ذاك البيت ، هذه الفتاة كي تقترن بها ، أو هذه الفتاة ، أن تسافر ، أو ألا تسافر ، أن تتوظف ، أو أن تتاجر ، أما أن يكون لك خيرة في موضوع حكم الله به ، وقال : هو حرام ! فالإنسان إذا حكَّم عقله فيما أخبر الله به ، فليس مؤمناً ؛ أي إذا أراد أن يقبل أو لا يقبل ، أن يعترض ، أن يتردد في قبول حكم الله عز وجل فليس مؤمناً .
 أيضاً أخ أحمد :

﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾

[سورة الحجرات:10]

 ما لم تشعر بانتمائك إلى مجموع المؤمنين ، فلست مؤمناً . أيضاً بالغيب أي يؤمن بالله عز وجل من آثاره ، آثاره تدل عليه ، والذي لا يؤمن إلا بحواسه ، هو في مستوى البهائم ، أما الإنسان فقد آتاه الله عقلاً استدلالياً ، فيرى المؤثر من الأثر ، والخالق من الخلق ، والنظام من المنظم ، يرى المسير من التسيير . هذا أيضاً :

﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾

[سورة المعارج:23]

 الدعاء ، والذكر ، والتسبيح ، وما إلى ذلك ، وهناك في السنة النبوية المطهرة أحاديث تصف المؤمنين .

مرتبة الإيمان مرتبة علميّة و أخلاقيّة و جماليّة :

 أخواننا الكرام ؛ الملاحظة الدقيقة جداً أن صفات المؤمنين في الكتاب والسنة ، من أجل أن تتخذها معياراً لك ، من أجل ألا تتوهم أنك مؤمن ، وفي الحقيقة أقل من ذلك أوصاف القرآن الكريم للمؤمنين في الكتاب ، وأوصاف النبي لهم في السنة معيار ، أو لو أن هذا المعيار استخدمته ، طبقته على نفسك ، وجدت نفسك لست بهذا المستوى ، إلى ماذا ينقلب هذا الوصف؟ إلى ماذا ينقلب ؟
 أولاً : وصف الله المؤمنين بصفات كيت وكيت ، جئت بهذا المقياس ، طبقته على نفسك ، فوجدت نفسك بعيداً عن هذا المستوى .
 حسناً : هذا الوصف الآن ماذا يفيدك ؟ يصبح هدفاً ، هو معيار وهدف ، فإذا طبقته كمعيار ، ولم تكن في المستوى المطلوب ، اجعله هدفاً واسع إليه ، مرتبة الإيمان مرتبة عالية جداً جداً ، إنها مرتبة علمية ؛ ما اتخذ الله ولياً جاهلاً ، لو اتخذه لعلمه ، ومرتبة أخلاقية؛ الإيمان حسن الخلق ، ومرتبة جمالية ؛ المؤمن من أسعد الناس ، لأنه عرف الله عز وجل .

المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص :

 من السنة المطهرة : أخ مصطفى :

((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه))

[البخاري عن أنس بن مالك]

 وهناك رواية ثانية لها : " وحتى يكره له ما يكره لنفسه ". نعم هذا معيار . أيضاً : " والله ما آمن من بات شبعان ، وجاره إلى جانبه جائع وهو يعلم " .
 أخواننا الكريم ؛ المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص ؛ متعاونون ، متكاتفون .

((وجبت محبتي للمتحابين في ، والمتجالسين في ، والمتباذلين في ، والمتزاورين في ، والمتحابون في جلالي على منابر من نور ، يغبطهم عليها النبيون يوم القيامة))

[الترمذي عن أبي إدريس الخولاني]

 أيضاً :

((المُؤْمِنُونَ بَعْضُهُمْ لِبِعْضِهِمْ نَصَحَةٌ مُتَوَادُّونَ وَإِنِ افْتَرَقَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ ، وَالْفَجَرَةُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ غَشَشَةٌ مُتَخَاذِلُونَ ، وَإِنِ اجْتَمَعَتْ مَنَازِلُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ))

[البيهقي في الشعب عن أنس]

((المؤمن أخو المؤمن ، لا يظلمه ، ولا يخذله ، ولا يسلمه ، ولا يحقره))

[البخاري عن أبي هريرة]

 هذه علامة الإيمان ، إذا الإنسان فرح بمصيبة أصابت مؤمناً ؛ ما تكلم ، ولا نطق ، ولا شمت ، إلا أنه فرح من أعماق نفسه لمصيبة أصابت مؤمناً ، أين هو ؟ في خندق من ؟ في خندق المنافقين ، لقوله تعالى :

﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾

[سورة التوبة:50]

 الإنسان إذا فرح بمصيبة أصابت مؤمناً ، وضع نفسه مع المنافقين وهو لا يدري ، من علامة إيمانك أن تفرح لخير أصابت مؤمناً .

((كان الله في عون العبد مادام العبد في عون أخيه))

[ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه]

 إذا أعان المؤمن أخاه فهذا دليل إيمانه .
 لا يؤمن أحدكم ، حتى يكون قلبه ولسانه شركاء ، لا يوجد ازدواجية : " ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيهاً ". "لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به " شيء جميل .

((لا يؤمن أحدكم من لا يأمن جاره بوائقه))

[البخاري عن أبي هريرة]

 شيء جميل .

الأحاديث والآيات معيار دقيق للوصول إلى الله :

 إذاً : أخواننا الكرام ، آية أظن أنها جامعة مانعة :

﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

[سورة التوبة:111]

 المؤمن باع نفسه لله عز وجل ، وبذل المال مقدم على بذل النفس في ثماني عشرة آية إلا في آية واحدة ، هي هذه الآية قدمت فيها النفس على المال ، لأن الموضوع بيع قطعي ، وفي البيع القطعي يقدم الأهم على المهم .
 الذي أرجوه منكم أيها الأخوة كلما مررتم على آية فيها وصف للمؤمنين ، هذا هو التدبر ، اكتبوها على ورقة ، أو على دفتر ، واجمعوا الآيات التي تصف المؤمنين ، وإذا قرأتم الحديث النبوي الشريف الصحيح ، اجمعوا الأحاديث الصحيحة التي تصف المؤمنين ، فإذا كان معكم دفتر في وصف للمؤمنين في الكتاب والسنة ، هذه الأحاديث والآيات إنما هي معيار دقيق، وهدف بعيد ، من أجل أن نصل إلى هذا المستوى ، نرجو الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا .

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS