11849
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة آل عمران - الدرس ( 06 - 59 ) : الحق والباطل.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-12
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام: في أواخر آيات البارحة آية المباهلة. وهي آية ذات شأن في الإسلام.
نحن في الأمور الخلافية المادية، لو أن إنسان ادعى أن له مع آخر مبلغ كبير وليس هناك وثيقة ورفع الأمر إلى القاضي ليس عند القاضي إلا ما يسمى باليمين الحاسمة فإن حلف برئ.
 إن حلف كذباً هذه اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في النار، واليمين الغموس لا كفارة لها لأنها تخرج الإنسان من دينه ويحتاج إلى أن يعيد إسلامه. لو في خلاف على 100ألف وما في إيصال والأمر رفع إلى القضاء القاضي يدعو من أنكر إلى حلف اليمين الحاسمة فإذا حلف نجا من حكم القاضي.. لكن ينتظره حكم الله. وعندئذ ربنا عزّ وجل يتدخل وقد يهلك هذا الإنسان. في بالأمور الخلافية بالنواحي المادية.
لو صار خلافيات بالعقائد... وكل طرف تشبث بموقفه وكل طرف إدعى أنه على حق وكل طرف اتهم خصمه بأنه على باطل... ماذا نفعل ؟...
في عهد النبي عليه الصلاة والسلام أمره الله فقال في سورة آل عمران:

﴿ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (61) ﴾

 فمن حاجّك فيه - بسيدنا عيسى - من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين. وعندئذ ربنا يتدخل فيهلك الكاذب لأن الحق لا يتعدل. الحق واحد فمن يدعي أنه على حق وليس كذلك يعلم علم اليقين أنه كاذب... هناك من يقول الحق وهناك من يقول الباطل ويدعي أنه الحق ويلبس الحق بالباطل، أو يلبس الباطل بالحق.
 فمن حاجّك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندعوا أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم - أقرب الناس إلى الإنسان أهله وأولاده، يضعهم على محك الهلاك - ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين.
إخواننا الكرام:
لو أن معركة بين حقين لا تكون، لأن الحق لا يتعدل. بين حق وباطل لا تدوم، لأن الله مع الحق. لكن بين باطلين لا تنتهي

﴿ وأن هذا صراطي مستقيماً فإتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾

( سورة الأنعام: من الآية 153)

 السبل جمع أما الصراط المستقيم فرد،

﴿ويخرجهم من الظلمات إلى النور﴾

( سورة المائدة: من الآية 16)

 النور مفرد أما الظلمات جمع، فالباطل يتعدل، مليون باطل والحق واحد. إذا حصل خلاف بين طرفين كل يدعي على حق كما أننا في القضاء ندعو المنكر لحلف اليمين، هنا: تعالوا ندعوا أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين: وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذاً لهذه الآية أناساً كثيرين للمباهلة فأبوا وخافوا على أنفسهم وأولادهم ونسائهم لأنهم يعلمون أنهم كاذبون. هذه واحدة... .
الشيء الثاني، قال الله تعالى في سورة آل عمران:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (77) ﴾

 الإنسان أحياناً يريد الدنيا والدنيا تطلب إما من التجارة.... هناك أساليب لا تعد ولا تحصى تحصل بها الدنيا، أما إذا سولت لك نفسك أن تحصلها عن طريق الدين،.. أن تلعب بدين الله، أن تجيره لصالحك، أن تسخره لمآربك، أن تركب الموجة الدينية، أن تركبها من أجل أهدافك هذا عمل من الكبائر.
 الإنسان إذا طلب الدنيا من مظانها يخطئ أو يصيب، لكنه ليس قدوة أبداً ولا أحداً يقتدي به. أما حينما يطلب الدنيا من خلال الدين، يشوه دين الله من أجل مصالحه، يلوي أعناق النصوص من أجل مآربه، ينتقي من الدين ما يحفظ له مكاسبه، يجعل الدين مطية للدنيا، هذا وقع في جريمة كبيرة لأنه لعب بدين الله، واستغل الشيء المقدس الذي هو ملاذ كل إنسان استغله لمآربه الشخصية.
 لذلك... لو أن الناس كفروا بالدين فبسبب من يتاجر بالدين، لو أن الناس كفروا بالكلمة فبسبب من يتاجر بالكلمة ليطلبها كل إنسان يريد الدنيا ليطلبها من مظانها، أما أن يطلب الدنيا من خلال الدين فهذه جريمة كبيرة: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً. عاهد الله على أن يبين الحق وعاهد الله على أن يوحد الله، وعاهد الله على أن يعبده، وأقسم على ذلك الأيمان المغلظة ثم هو يستغل الدين من أجل الدنيا: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً أولئك لا خلاق لهم بالآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم .
يعني.. إن أردت المكاسب فابحث عن مظانها، إن أردت المال فابحث عنه في ألف طريق، إلا أن تبحث عنه من خلال الدين، دع دين الله نقياً صافياً، دعه في السماء ولا تنزله إلى وحور البشر.
اجعل الدين لله خالصاً:

﴿ وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (18) ﴾

(سورة الجن: الآية 18)

إن هذا الدين قد ارتضيته لنفسي ولا يصلحه إلا السخاء وحسن الخلق فأكرموه به ما صحبتموه.
 يقول بعض العلماء: من دعا إلى الله بمضمون هزيل غير متماسك متناقض، أو دعا إلى الله بمضمون عميق ولكن المدعو لم يرى في الداعي المصداقية. أو دعاه بأسلوب غير علمي، أو غير تربوي فتفلت هذا المدعو من الدين كفر به. قال: هذا المدعو بهذا المضمون وهذه الطريقة وتلك الازدواجية، لا يكون عند الله مبلغاً ويقع إثم تفلته من الدين على من دعاه بهذه الطريقة.
 مرة ضربت مثلاً قديماً: أنه الإنسان إذا وجد ورقة ذات قيمة 1000 مليون ونظر إلى خلف الورقة فوجدها بيضاء فاستخدمها لعملية حسابية عادية ثم مزقها وألقاها في المهملات ثم اكتشف أن هذه الورقة تساوي 1000 مليون بماذا يشعر ؟.... استخدمها ورقة مسودة وهي ذات قيمة كبيرة جداً.
 فهذا الذي يستخدم الدين وهو ذو قيمة كبيرة جداً جداً ، يستخدمه لحظوظ الدنيا لمنافعه الشخصية، يلوي عنق النصوص، يؤوّل الآيات تأويلاً يحلو له، يستخدم حقائق الدين من أجل الدنيا، هؤلاء لا خلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم.
يعني: إن أردت الدنيا فابحث عن مظانها، اطلبها من مظانها ، ولا تطلبها من الدين. اجعل الدين في السماء، اجعله صافياً نقياً بعيداً عن الأهواء اجعل الدين لله، اجعل المساجد لله ولا تدعو مع الله أحداً.
هذه الآية: إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً: هذا الدين ثمن الجنة، ثمن الآخرة الأبدية، ثمن سعادة لا تنقضي، فأنت استخدمته استخداما رخيصاً جداً. يعني ممكن حاسوب ثمنه 35 مليون تستخدمه بالبيت طاولة ؟....
 الطاولة حقها 2000 ليرة، تستخدم 35 مليون بوظيفة طاولة ثمنها 2000 ليرة.. ؟ أنت إذاً من الخاسرين. فإنسان بين يديه القرآن الكريم يقرأه ليرتزق به فقط..؟.. يكتبه ليحصل ثروة منه فقط ؟ اشترى بعهد الله ثمناً قليلاً، أما إذا كتبه لوجه الله أو تعلمه لوجه الله وعلّمه لوجه الله فهو مجاهد جهاداً كبيراً كما قال الله عزّ وجل:

﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً (52) ﴾

(سورة الفرقان: من الآية 52)

 أيها الأخوة:

﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَاداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (79) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (80) ﴾

 الآن دققوا في هذه الآية: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي: العبودية لله وحده. النبي عليه الصلاة والسلام عبد الله ورسوله مرة أحدهم وقف أمامه وقال:

(( عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَشِئْتَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَعَلْتَنِي وَاللَّهَ عَدْلًا بَلْ مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ ))

فالإله واحد والله وحده يعبد. أما الأنبياء هداة على طريق الإيمان أما العلماء يبينون ما قاله الأنبياء دون أن يكونوا هم الأرباب.
 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين: المؤمن رباني، معنى رباني: يعني يرجع في كل أموره إلى شرع الله. يرجع في كل أموره إلى أمر الله ونهيه قلبه معلق بالله، يأتمر بما أمر الله، ينتهي عما نهى عنه الله، يحب من أحب الله، يبغض من أبغض الله، يعطي لله، يمنع لله، يصل لله، يقطع لله، يبتسم لله، يقطب جبينه لله، هذا الرباني.. إنسان يأتمر بأمر الله ولا يحب إلا الله... أما هناك حب في الله، وحب مع الله، كلام خطير.. الحب في الله من كمال الإيمان، والحب مع الله عين الشرك.
الحب في الله أن تحب الله، ثم تحب رسوله، ثم تحب أنبياؤه جميعاً، ثم تحب المؤمنين، تحب الصالحين، تحب الصالحين ولست منهم كما قال الشافعي تواضعاً.
 فأن تحب الصالحين وأن تحب المؤمنين وأن تحب أولياء الله وأن تحب الأنبياء هذا حب لله. وهو من كمال الإيمان. أما الحب مع الله أن تحب إنساناً فاسقاً لكن لك معه مصلحة كبيرة، تحبه وهو على معصية وتبغض إنساناً مؤمناً لأنه نصحك لوجه الله، الحب مع الله عين الشرك، والحب لله من كمال الإيمان. لو إنسان مؤمن جاءك منه بعض الضر عن غير قصد منه تبقى محباً له، ولو أن إنساناً كافراً أسدى إليك معروفاً تبقى مبغضاً له، هذا كمال التوحيد.
 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكمة والنبوة ثم يقول للناس كونوا عباداً لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولايأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ انتم مسلمون: يعني إذا الإنسان كان مجيراً لإنسان، عابداً له، خاضعاً له، هذا شرك وهذا سماه الله كفراً. مثلاً الصحابة الكرام النبي أمّر عليهم أنصارياً ذا دعابة، قال: أضرموا ناراً عظيمة، أضرموها، قال اقتحموها ألست أميركم أليست طاعتي من طاعة رسول الله وقع الصحابة في حيرة، بعضهم قال كيف نقتحمها وقد آمنا بالله فراراً منها، وبعضهم قال نقتحمها، فلما عرضوا الأمر على النبي قال والله لو اقتحمتموها لازلتم فيها إلى يوم القيامة إنما الطاعة في معروف. لدينا منهج فيه أمر ونهي: الكتاب والسنة: لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق .
 الآن الإمام الشافعي ماذا يقول لك: ؟ شخص تحبه حباً جماً، تقدره أعلى تقدير، أعطاك توجيه، ماشي..، أنت لا تعلم..، ثم ثبت لك أن كلام النبي على عكس هذا التوجيه، إن كنت مؤمناً تعمل بكلام النبي وتلقي بكلام هذا الإنسان الذي تحبه وتقدره، أما إذا آثرت أن تطبق كلام إنسان وتعصي رسول الله فأنت لست مؤمناً. هذا الرباني . الرباني هو الذي يتجه إلى الله وحده، ويتبع سنة النبي وحده وكل كلام آخر يطابق الكتاب والسنة على العين والرأس فإذا خالفهما....
يعني إذا إنسان أمرك أن تقطع رحمك بلا سبب لنزوة أرادها خلاف الكتاب والسنة لاتطيع أمره: ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أرباباً أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون.
آخر آية أيها الأخوة:

﴿ وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (85) ﴾

 قد يقول أحدهم أنه هو على دين آخر، الدين واحد،

﴿ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾

(سورة آل عمران: من الآية 19)

 المعنى الواسع: إن الدين الذي ينبغي أن تدين به هو أن تسلم وجهك لله وأن لا تطيع إلا الله فإذا أمرك الله أن تتبع هذا النبي الأخير ولم تطع أنت إذاً أنت لست مسلماً، إنسان غير مسلم أُمر أن يتبع نبي المسلمين فلم يأتمر بهذا الأمر هو لا يسمى ديّناً لأنه خالف أمر الله عزّ وجل.
العلماء قالوا: ومن يبتغي ويبحث عن عقيدة غير عقيدة الإسلام، من يبحث عن منهج غير منهج الإسلام، من يبحث عن وسائل لرقي المجتمع غير وسائل الإسلام، من يبحث عن قيم غير قيم الإسلام، هذا لا يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS