8375
أحاديث رمضان 1417 - تفسير آيات - سورة الصافات - الدرس ( 02 - 59 ) : القوانين الإلهية.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 1997-01-09
بسم الله الرحمن الرحيم

 أيها الأخوة الكرام:
 في العلم شيء اسمه القانون والقانون علامة ثابتة بين متغيرين، علاقة ثابتة مطردة، مستمرة. وأهم شئ في القانون أنه يعيننا على التنبوء،أي أنك إذا عرفت أن المعادن كلها في أي مكان وفي أي زمان تتمدد بالحرارة، فأي بناء فيه حديد يجب أن تدع فواصل للتمدد، أينما ذهبت في أوروبا وفي أمريكا وفي أسيا وفي استراليا في دولة متخلفة ودولة متقدمة ودولة قديمة ودولة حديثة،إذا أنشأنا جسراً لابد من فاصل التمدد لكى لا ينهار الجسر في الصيف، إذا أنشأنا سكة حديد لابد من فاصل التمدد. المعادن تتمدد بالحرارة هذا قانون. يعني علاقة ثابتة مطردة. في أي مكان وفي أي زمان.
الماء إذا تجمد أزداد حجمه، لو أن الماء في محرك السيارة وجاءت موجة صقيع وتجمد الماء انفطر المحرك وتشقق،فلابد من مادة مضادة للتجمد.
 وفي هذه المناسبة الإنسان إذا عاش في بلاد تقل حرارتها عن الصفر مثلا 70 تحت الصفر كل شيء تستطيع أن تغطيه إلا عينيك لا تستطيع أن تغطي عينيك. إذاً ربنا جل جلاله جعل في ماء العين مادة مضادة للتجمد. فلو عشت في بلد تقل حرارته عن 70 تحت الصفر ماء العين لا يتجمد.
 فأردت من هذه المقدمة أن القانون يعين على التنبوء. نحن في أول رمضان في كتاب الله عزّ وجل وهو كلام الله، وكلام الله عزّ وجل لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، الكتاب الذي هو من عند الله من عند خالق الكون لو أردنا أن نقف في هذا الكتاب عند الآيات التي تفيد السنن الثابتة ( القوانين ) لو أمضينا هذا الشهر كله في الفجر وبعد صلاة التراويح في الآيات ذات الطابع المستمر كقانون، إن فهمنا هذه الآيات تعاملنا مع الله عزّ وجل بشكل علمي.

﴿ وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173) ﴾

(سورة الصافات الأيات 171..173)

 لو فهمنا هذه الكلمة: جندنا بالمعنى الواسع يعني إذا كنُت أنت من أجل الحق، إذا كنت جندياً للحق، لا يمكن أن تُغلب،وزوال الكون أهون على الله من أن تغلب إذا كنت جندي للحق. هذا كلام الله، مصداقية كلام الله لا تعلوها مصداقية. حينما لا يفلح ينبغي أن يبحث عن السبب أو عن الخلل الذي أصاب جنديته لله عزّ وجل، إن كان عملك خدمة للحق لابد من أن تفلح.
بل إن بعض العلماء يقول وهذا قول خطير من دعا إلى الله عزّ وجل ولم ينجح وعزى هذا إلى الله عزّ وجل فهو يكذب قوله تعالى:

﴿ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾

(سورة غافر 51)

 يقول الله عزّ وجل وإن جندنا لهم الغالبون في أي مكان وفي أي زمان وفي أي عصر وفي أي نصر، قانون مضطرد. طيب النبي عليه الصلاة والسلام سيد الخلق وحبيب الحق ومعه أصحابه الكرام الذين افتدوه بأرواحهم وهم يواجهون الكفار والمشركين في أحد لم ينتصر، لماذا لم ينتصر ؟ لأن بعض أصحابه الذين جعلهم في موقع معين خالفوا أمره ونزلوا إلى أرض المعركة ليأخذوا بعض الغنائم،فلو أن الله نصرهم مع هذه المعصية لما كانت لطاعة رسول الله من قيمة، يعني حاسب نفسك.
الله بيده كل شيء ولا شيء بيد غير الله، والله يعاملنا وفق هذا القانون إن كان هذا العمل في سبيل الله لابد من أن ينجح، هذا قانون من قوانين الله عزّ وجل.
أرجو الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا الشهر الكريم في دروسه كلها حول الآيات المتعلقة بالقوانين وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاًوكذلك، حقت كلمة ربك على الذين فسقوا أنهم لايؤمنون.
 لو بحثنا عن الآيات التي تحمل طابع القانون، فالإنسان يتحرك في الحياة يؤسس عمل، يدرس، يسافر، يدعو إلى الله هذه الأعمال بمجملها إن كانت لله لابد من أن تنجح ولابد من أن تتفوق. فإن لم يكن هناك توفيق وإن لم يكن هناك نجاح وإن لم يكن هناك توفيق فهناك خلل في جنديتك لله
لأن الله عزّ وجل يقول: وإن جندنا لهم الغالبون يعني في التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة جداً: فهل من الممكن لإنسان كسيدنا صلاح الدين أن يرد أوروبا بأكملها، وإن جندنا لهم الغالبون هذا في المجال العسكري وفي المجال المدني إنت أسست عمل تبتغي به وجه الله هذا العمل إن كنت كما تقول لابد من أن ينجح، أنت أردت أن تتزوج من أجل أن تطبق سنة رسول الله وأن تحصن نفسك، إن كانت هذه غايتك فلابد من أن تتوفق إذاً هذه الآية: ولقد سبقت كلمتنا كلمات الله في القرآن، تعني قوانين الله، لا مبدل لكلماته يعني مصداقية الكلمات وتحققها في أي مكان وفي أي زمان بشكل مطلق هو ما تعنيه هذه الآيات.
 فيا أيها الأخوة الكرام النبي عليه الصلاة والسلام كان في غار ثور مع سيدنا الصديق وصلوا إليه أخذا كل الأسباب، اتجه مساحلاً، عين من يأتيه بالأخبار، كلف من يمحو الآثار، استئجر خبيراً بالطريق ومع كل هذه الاحتياطات وصل المطاردون إلى غار ثور، سيدنا الصديق بشر، بشريته دعته إلى أن يقول والله يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطأ قدمه لرآنا. ماذا أجابه النبي عليه الصلاة والسلام وهو في أعلى درجات الثقة بالله قال ياأبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما.
يعني شبه معجزة أن يأتوا إلى غار ثور ويحجموا عن دخوله، وقد وصلوا إليه.
 و كذلك سيدنا موسى،ومعه أصحابه القلة المستضعفون ووراءه فرعون بجبروته وقوته وسطوته وجنوده وأمامهم البحر:

﴿ فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ 62﴾

(سورة الشعراء 61و62)

 ونجاه الله عز وجل . سيدنا رسول الله وهو في الهجرة وضعت 100 ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً تبعه سراقة حينما أراد سراقة أن ينال من النبي غاصت قدما فرسه في الرمل والقصة معروفة عندكم، في نهاية هذا الموقف قال عليه الصلاة والسلام لسراقة: يا سراقة ما قولك لو لبست سواري كسرى ؟. سواري كسرى هذا كلام من ؟. كلام النبي، إنسان ملاحق مهدور دمه وضعت 100 ناقة لمن يأتي به حياً أو ميتاً يعد سراقة الذي يتبعه أن يلبس سواري كسرى. طيب ما هذا الكلام ؟.
معنى ذلك أن النبي واثق من أنه سيصل إلى المدينة سالماً وسينشئ مجتمعاً إسلامياً كبيراً هذا المجتمع سيدعو إلى الله وسيفتح البلاد شرقاً وغرباً وسوف يدك عرش كسرى وسوف يأتي أصحابه بكنوزه وتاجه وقميصه وسواريه.
 في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه تحققت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام وجيء بالغنائم وقلبها عمر بن الخطاب بقضيبه فقال إن الذي أدى هذا للأمين أو إن الذين أدوا هذا للأمناء إلى جانبه سيدنا علي كرم الله وجهه قال يا أمير المؤمنين لقد عففت فعفوا ولو وقعت لوقعوا. ثم وجد تاج كسرى وسواريه وقميصه فقال أين سراقة ؟. فجيء بسراقة وألبسه تاج كسرى وقميصه وسواريه، وكبر الصحابة الكرام وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: بخٍ بخٍ أُعيرابي من بني مدلج يلبس سواري كسرى تحققت نبوءة النبي عليه الصلاة والسلام.
يعني.. إذا الله وعد المؤمنين وعد يجب أن تعتقد أن زوال الكون أهون على الله من أن لا يفي بوعده.
 وأي خلل في عبوديتك لله أو في جنديتك لله وإن جندنا لهم الغالبون... ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون، هذه الآية ومثيلاتها في القرآن الكريم يجب أن نتعامل معها تعاملاً صحيحاً، ربنا عزّ وجل جعل هذا القرآن قوانين نتعامل بها معه جل جلاله. فكل إنسان يقف عند هذه الآيات ذات الطابع القانوني طابع السنة الثابتة الله سماها كلمات وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً قانون ثاني. يعني يا عبادي منكم الصدق ومني العدل تتفاوتون عندي بصدقكم في طلب الحق، بمصداقيتكم في أن تأتي أفعالكم مطابقة لأقوالكم وفي مصداقيتكم أن تأتي أقوالكم مطابقة للوقائع في عنا صدق الأقوال وصدق الأفعال، إن ذكرت شيئاً مطابقاً للواقع فأنت صادق، وإن فعلت شيئاً مطابقاً لما تدعيه فأنت صادق. وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لامبدل لكلمات الله. يعني يا عبادي تتفاوتون عندي بالصدق وأنا أعدل بينكم، فنحن في أول شهر رمضان هذا الشهر شهر الصوم، شهر العبادة، شهر الاستقامة، شهر القرآن، شهر البذل والعطاء، أعطيكم بشارتين: البشارة الأولى أن النبي عليه الصلاة والسلام حينما صعد المنبر وقال آمين فسألوه علام أمنّت يا رسول الله ؟. قال جاءني جبريل وقال لي رغم أنف عبد أدرك رمضان فلم يغفر له. إن لم يغفر له فمات. نحنا الأن أمام فرصة. لو فرضنا أن إنسان محكوم بالسجن 25 سنة مثلاً وقيل له لو أنك حفظت كتاب الله نعفو عنه ماذا يفعل ؟.... هل يتردد ثانية في حفظ كتاب الله ؟.. ثانية واحدة يشتري حريته بحفظ كتاب الله. محكوم 25 سنة.
طيب إذا إنسان محكوم عليه بالنار ثم جاء شهر ليكون فرصة لكي يعتق من النار، ماذا يفعل ؟...
يقول عليه الصلاة والسلام :

((عنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ))

 فأنت بين وعدين من وعود الله عز وجل إن صمت نهار رمضان فقد غفر الله ما كان من ذنبك، وإن قمت ليل رمضان أن تصلي العشاء وأن تصلي التراويح هذا قيام رمضان.
أرجو الله تعالى أن يعيننا على الصيام والقيام وغض البصر وحفظ اللسان
 ذكرت في درس أحد سابق أربع نقاط بارزة في رمضان، رمضان الاستقامة، ورمضان القرآن، ورمضان الإحسان، ورمضان الاتصال بالله عزّ وجل. وهو فرصة كي نعتق من النار، وهو فرصة كي نفوز بالجنة الواحد الديان.
 قبل أن نختم يعني هذا اقتراح لك أن تفعله هنا أو في البيت، ورد في الأحاديث الصحيحة أن الذي يجلس يذكر الله عزّ وجل إلى ما بعد طلوع الشمس، كتبت له حجة تامة تامة تامة. إذا أنذر نفسه في رمضان 30 يوم نحن نجلس هنا في المجلس لبعد الشمس إما في المسجد أو في المنزل، أن تجلس وتذكر الله عزّ وجل، ذكر الله منوع، لك أن تقرأ القرآن، ولك أن تستذكره، ولك أن توحده، لا إله إلا الله ولك أن تسبحه ولك أن تدعوه ولك أن تقول الله الله باسم الله المفرد، كله ذكر إن جلست بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس كتبت لك حجة تامة تامة تامة.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS