12123
الفقه الإسلامي - موضوعات متفرقة - الدرس 64 : من فقه الرجل إذا أوى إلى فراشه تلاوة آية الكرسي.
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2007-06-25
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين ، والصلاة و السلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .

النوم وفاة مؤقتة و الموت نوم أبدي :

 أيها الأخوة ، تعلَّمنا من دروس الدين أن الإنسان إذا أوى إلى فراشه يُفضَّل أن يقرأ آية الكرسي ، وقد ذكر النبي عليه الصلاة و السلام في بعض أحاديثه الشريفة أنها أعظم آية في القرآن الكريم ، و نظراً إلى أن الإنسان كان إذا نام توفّى الله نفسه ، قال تعالى:

﴿ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾

[سورة الزمر: 42]

 فالنوم وفاة مؤقتة ، و الموت نوم أبدي ، قال تعالى:

﴿ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾

[سورة الزمر: 42]

 فالإنسان حينما ينام يفقد الوعي ، و يفقد اتصاله بالعالم الخارجي ، يا ترى هناك عدو ، هناك حشرة ، هناك أفعى ، هناك مشكلة ، هناك حريق ، هناك سارق ، فالإنسان حينما يأوي إلى فراشه يتلو قوله تعالى :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

[سورة البقرة : 255]

 أردت أن تكون هذه السورة محور هذا الدرس لا على أنه درس تفسير ، بل على أنه توجيه نبوي كريم ، من فقه الرجل أنه إذا أوى إلى فراشه يقرأ هذه السورة أو يقرأ هذه الآية التي سميت بآية الكرسي ، وهي من أعظم القرآن الكريم .

اجتماع الأسماء الحسنى في لفظ الجلالة :

 أيها الأخوة ، "الله" مَن ؟ قال بعض العلماء : عَلَمٌ على الذات ، وقال بعضهم : علَم على واجب الوجود ، كلمة علم أي اسم ، و عندنا في اللغة اسم العلم ، علَم على واجب الوجود ، أن في الكون واجب وجود و ممكن وجود و مستحيل وجود ، مستحيل أن يكون الجزء أكبر من الكل ، يستحيل أن يكون الابن أكبر من أبيه ، هذه أشياء مستحيلة ، أما الأشياء الممكنة ما سوى الله فممكن ، ممكن أن يكون وممكن ألاَّ يكون ، وإذا كان على ما هو أو على غير ما هو ، أما واجب الوجود فلا بد من وجوده إنه الله ، فكلمة " الله " علم على واجب الوجود ، والله صاحب الأسماء الحسنى كلها ، جُمعت الأسماء الحسنى كلها في " الله " فإذا قلت يا الله ، أي يا رحيم يا قوي يا غني يا جبار يا منتقم يا عليُّ ، إذا قلت : يا الله الأسماء الحسنى مجتمعة في لفظ الجلالة ، الذي هو علم على الذات ، أو علم على واجب الوجود ، هل سمعتم في الأرض كلها أن جهة تستطيع أن تسمي نفسها " الله" ؟ مستحيل ، طبعاً المؤمنون بدافع من إيمانهم و تعظيم ربهم ، أما الكفار والملحدون فلا يجرؤون على هذا، إنهم يعلمون في أعماقهم أن الله سينتقم منهم ، لأن كفرهم ليس أصيلاً ، الكفر و الإلحاد سطحي ، هم في أعماق أنفسهم يشهدون أن الله موجود :

﴿ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾

[سورة الأنعام: 23]

 قال تعالى:

﴿ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾

[سورة الأنعام: 24]

التوحيد هو الدّين كله :

 أيها الأخوة ، قال بعض العلماء : شدة القرب حجاب ، كلمة لا إله إلا الله نقولها في اليوم مئات المرات ، بل إن انحراف المسلمين جعلهم يقولون : لا إله إلا اله عند غضبهم وعند تعجبهم ، و قد يقولها المرء و لا يفقه معناها ، هذه الكلمة البسيطة ، كلمة التوحيد الأولى ماذا تعني ؟ لا إله إلا الله ، فيها نفي و فيها إثبات ، كلمة "إله" ماذا تعني ؟ الإله من الفعل أَلِه ، أي ولِه أحبّ ، الذي يُحب ، و قال بعض العلماء : الإله هو المعبود ، أنت من تعبد أو من ينبغي أن تعبد ، يجب أن تعبد الخالق ، يجب أن تعبد القوي ، يجب أن تعبد الحكيم، يجب أن تعبد العالم ، يجب أن تعبد الرحيم ، إذًا قال بعض العلماء : لا معبود بحق إلا الله ، ليس في الكون جهة تستحق أن تُعبد إلا الله ، فلا إله إلا الله ، لا معبود بحق إلا الله ، الله معبود ، أي يُحب ، أي خالق ، أي ممدٌّ ، أي مسيِّر ، أي رافع خافض ، معز مذل ، معطي مانع ، قوي ، هذا الذي ينبغي أن تعبده ، هل يُعقل أن تعبد ضعيفاً ؟ هل يُعقل أن تعبد من سيفنى و من سيموت ؟ مستحيل ، المعبود الذي يستحق العبادة ولا يستحقها إلا الله ، ليس أهلاً لها إلا الله ، أما إنْ عبدت جهة هذه الجهة تموت ، وإذا ماتت تلاشت كلُّ آمالك ، إذًا ينبغي أن تعبد الحي الباقي على الدوام ، يجب أن تعبد الذي لا يموت ، يجب أن تعبد الذي لا يضعف أمام خصمه ، يجب أن تعبد القوي ، يجب أن تعبد الغني ، يجب أن تعبد ذا العلم ، إذًا لا معبود بحق إلا الله ، هذه الكلمة كلمة التوحيد الأولى تنفي الشركاء و تثبت الوحدانية ، التوحيد هو الدين كله ، بل إن فحوى دعوة الأنبياء جميعاً هي التوحيد ، قال تعالى:

﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ ﴾

[سورة الأنبياء : 25]

لا إله إلا الله نهاية العلم والتقوى نهاية العمل :

 واللهِ أيها الأخوة لو عقلنا معنى كلمة لا إله إلا الله لانتهينا إلى أقصى درجة العلم حتى إن بعض العلماء قال : لا إله إلا الله نهاية العلم ، والتقوى نهاية العمل ، والحياة علم و عمل ، فإذا علمت أنه لا إله إلا الله تحقيقاً ، وإذا عملت بها فقد وصلت إلى النهايتين ، نهاية العلم و نهاية العمل ، لا إله إلا الله ، الله علَم على الذات ، علم على واجب الوجود ، الله صاحب الأسماء الحسنى ، والصفات الفضلى ، الله الخالق ، الله المربي ، الله المسير ، الله الموجود ، الله الواحد ، الله الكامل ، مَن هو ؟ قال: لا إله إلا هو ، مناقشة بسيطة ، الله عز وجل قال: الله لا إله إلا هو ، إذا كان هناك آلهة غير الله ماذا ينبغي أن تفعل حينما يقول إلهٌ عظيم:

﴿ إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾

[سورة طه: 14]

 ماذا ينبغي أن تفعل ؟ لو فرضنا جدلاً أن هناك آلهة ، و أن أحد هذه الآلة قال : لا إله إلا أنا ، ماذا ينبغي أن تفعل ؟ ينبغي أن تبيِّن ، لست وحدك ، نحن معك ، أو : لا إله إلا نحن أنت لست إلهاً ، فالجهة الأخرى إن كانت موجودة على الفرضية يجب أن تصرِّح ، فإن لم تصرِّح هي غير موجودة ، إن لم تعلم ما قاله هذا الإله العظيم إذًا هي ليست في مستوى الألوهية إطلاقاً ، إنْ لم تعلم ، إن علمتْ وسكتت لماذا سكتت ؟ خوفاً لعدم قدرتها على الكلام إذًا ليست آلهة ، حينما قال الله عز وجل:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

[سورة البقرة : 255]

الله لا إله إلا هو فيها نفي و إثبات :

 من يتوهم أنه إله ينبغي أن يتكلم ، ينبغي أن يصرِّح ، وينبغي ألا يسكت ، أي مجموعة أشخاص في اجتماع ، وجدنا محفظة نقود ، قال رئيس الجلسة : لمَن هذه المحفظة ؟ لك ؟ قال: لا ، لك ؟ قال: لا ، لا أحد ادَّعى أنها له ، دخل شخص قال : نسيت محفظة نقودي، لأن كل الحاضرين لم يتكلموا و لا بكلمة و سكتوا لما قال: نسيت محفظة نقودي لأنهم سكتوا فهي له ، لو كانت لأحدهم لتكلم و لمنع أن تُعطى إليه ، فكرة دقيقة ، لو كانت هناك آلهة أخرى وقال الله عز وجل: لا إله إلا أنا ، فينبغي أن يعلموا أنه قال هذا ، وإلا ليسوا آلهة، الآن علموا فينبغي أن يقولوا ، فإذا لم يقولوا معنى ذلك أنهم ضعفاء فليسوا آلهة ، فكلمة " الله لا إله إلا هو " فيها نفي و فيها إثبات ، فيها نفي الشركاء ، وفيها إثبات الوحدانية ، والإله هو المعبود ، لا معبود بحق إلا الله ، و المعبود هو الخالق ، و المعبود هو المسير ، و المعبود هو الرحيم ، و المعبود هو القوي ، و المعبود من بيده الأمر ، لا يستحق أن يُعبد حقيقة إلا الله ، مَن هو الأحمق ؟ هو الذي يعبد غير الله ، قال تعال:

﴿ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾

[سورة فاطر: 14]

 الله لا إله إلا هو هذه كلمة التوحيد ، و الله عز وجل يقول لك:

﴿ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾

[سورة محمد]

 أنتم قد لا تشعرون خطورة هذه الكلمة ، أي إذا علمت أنه لا إله إلا الله لا يمكن أن ترجو أحداً إلا اله ، إذا علمت أنه لا إله إلا الله لا يمكن أن تخاف أحداً إلا الله ، إذا علمت أنه لا إله إلا الله لا يمكن أن تريق ماء وجهك إلا لله ، إذا علمت أنه لا إله إلا الله لا تعلق الأمل إلا على الله ، إذا علمت أنه لا إله إلا الله لا يمكن أن تنافق ، لا يمكن أن تستقي ، لا يمكن أن تضعف ، لا يمكن أن تضيّع شيئاً من كرامتك لأن الله أعزّك ، هذه السورة قال عنها النبي صلى الله عليه و سلم : من أعظم سور القرآن ، أنت سوف تأوي إلى الفراش ، والليل فيه مفاجآت ، فيه أخطار ، أنت إذا آويت إلى فراشك و قرأت:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

[سورة البقرة : 255]

 هو لا تأخذه سنة و لا نوم ، أنت نَم وارتَح ، نم قرير العين ، نم يا عبدي أنا أحرسك في الليل ، أنا معك ، شعور دقيق جداً ، أنت نم وارتح ، أنا لا تأخذني سنة و لا نوم، هذا لسان الحضرة الإلهية .

استمرار المهام هو الحياة :

 أيها الأخوة ، الحيّ ، هل في الفكر فقط ؟ في التصور ، هل يُعقل أن يكون عالماً قبل أن يكون حيًّاً ؟ مستحيل ، العلم بعد الحياة ، والله أنا لي ابن ما شاء الله ، كم عمره ؟ لم يولد بعد ، كلام مضحك ، هل هناك علم قبل الحياة ؟ سبق ذكري ؟ سبق لفظي ؟ هل هناك قدرة قبل الحياة ؟ الصفة التي تسبق في التصور هي من أسماء الذات ، والصفة التي لا نقيض لها الله عز وجل محيي ، و أيضاً مميت ، الله عز وجل معطي ومانع ، الله عز وجل رافع و خافض ، الله عز وجل معز و مذل ، الصفة التي لها نقيض من أسماء الأفعال ، الله يحيي و يميت ، يعز ويذل ، و الصفة التي لا نقيض لها هي اسم ذات ، عندنا اسم ذات واسم أفعال فالله عز وجل حيّ و أنت حيّ ، ما قولك ؟ إذا سألنا عن فلان قيل لنا : فلان حيٌّ يُرزق ، إّذاً هل يعقل أن تكون حياتك كحياته ؟

﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾

[سورة الشورى]

 و كل ما خطر ببالك فالله خلاف ذلك ، إذاً من باب التفصيل ما وجه الفرق بين حياتك و حياته ؟ أنت تُوهب الحياة ، و حينما يأتي الأجل تُسلب الحياة ، توهب وتُسلب ، أما ربنا جل جلاله فليس هناك من جهة وهبته الحياة ، و ليس هناك من جهة تسلبه الحياة ، حيّ باق على الدوام ، فحياته غير حياتنا ، أي الحياة تعريفها صعب جداً ، قال: أن تستمر صلاحيتك لمهمتك دائماً ، مهمة النبات النمو والإزهار و الإيراق و الإثمار ، فإذا مات النبات توقف الإزهار و الإيراق و الإثمار ، إذاً مات النبات ، ما دامت مهمة هذا الشيء مستمرة فهو حيّ ، أنت كإنسان تفكر و تتكلم و تسمع و تنام و تعمل و تضحك و تبكي و تتألم وتفرح ، لو تعبت هذه الصفات معنى ذلك مات الإنسان ، فاستمرار المهام هو الحياة ، الله لا إله ...القيوم " اعبد الحي الذي لا يموت ، أما إذا عبدت الحي الذي يموت فالمشكلة كبيرة جداً :

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾

[سورة البقرة : 255]

شرح لكلمة القيوم :

 القيوم أي قائم على كل نفس بعلمه و تدبيره وتربيته و الأخذ بيده ، قيوم صيغة مبالغة شديد العناية بمخلوقاته ، قائم على كل نفس بما كسبت ، أنت مراقب ، قال تعالى:

﴿ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ﴾

[سورة الفجر: 14]

 كل واحد منكم وأنا معكم حينما تصلح علاقتك بالله تشعر بالراحة ، تشعر بالطمأنينة ، معنى ذلك أن الله قائم عليك ، منحك الطمـأنينة لأنك اصطلحت معه ، منحك السعادة لأنك أقبلت عليه ، ضاق قلبك لأنك ابتعدت عنه ، حُجبت عنه لأنك وقعت في معصيته ، فالله عز وجل قائم على كل نفس بما كسبت ، أنت عندما تكون مع ابنك دائماً إذا تكلم كلمة تقول له : لا تعد هذه الكلمة ، قد تشدّ النظر إليه ، إذا أخذ شيئاً ليس له تمنعه من ذلك ، أنت تدبِّر أمره بشكل مستمر ، هذه من رحمة الله بنا ، الحي القيوم ، قائم على كل نفس بما كسبت ، وكل إنسان مؤمن صادق يشعر بعناية الله له فيحاسبه ، قال لي أحد الأخوة: جاء شخص إلى معملي ليشتري عدة قطع ، قال لي: كبُرت نفسي ، أنا أبيع بالجملة ، أبيع بأربعمئة دزينة ، خمسمئة دزينة ، أبيع قطعة أو قطعتين ، هذا بيع يهينني ، قال له: أنا لا أبيع مفرَّقاً ، قال له: لا تؤاخذني ، فانسحب ، قال لي: والله ثلاثة وثلاثون يوماً لم يدخل معملي إنسان ، فتبت إلى الله ، الآن أبيع قطعة واحدة ، واللهِ أحد الأخوة من كبار مستوردي السحابات في البلد قال لي: امتنعت عن بيع دزينة سحابات فوقف بيعي شهراً ، الآن أبيع قطعة واحدة ، أي أن الله قائم على كل نفس بما كسبت ، كيف تعامل زوجتك ؟ كيف تضبط جوارحك ؟ كيف تتكلم ؟ هناك متابعة من الله ، متابعة شديدة جداً وهذه أعلى درجة من الرحمة ، أين الأب الذي عنده وقت ليتابع ابنه في كل كلمة يقولها ؟ كل كلمة ، و كل حركة ، و كل نظرة ، لا يوجد وقت ، أما ربنا عز وجل فقائم على كل نفس بما كسبت ، قال تعالى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾

[سورة البقرة : 255]

 أي السنة قبل النوم ، يقال: ذبل فلان ، ضعف ، ثقل رأسه ، كادت أجفانه أن تسترخي ، سبحان الله أحياناً ألاحظ بعض الأخوة في الدرس يتعب و ينام ، قل له : عُد خمسين ألفاً يفرك عيونه كي لا ينام ، لماذا و أنت تعد النقود لا تنم أما في شرح آية ، في شرح حديث ، في قضية مصيرية تنم ؟ الله عز وجل قال:

﴿ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾

[سورة البقرة : 255]

 نم و لكن الله لا ينام ، عين الله لا تنام ، لا سنة و لا نوم ، تفصيل ، فالله قائم على كل نفس بما كسبت قال تعالى:

﴿ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ﴾

[سورة البقرة : 255]

الله عز وجل له ما في السموات والأرض إيجاداً و تصرفاً و مصيراً :

 "له" هذه لام الملك ، كل ما في السموات و الأرض له ، ما نوع هذا الملك ؟ أي خلقاً و تصرفاً و مصيراً ، هو الخالق إذاً مالك ، أنت تشتري الحاجة تملكها لكن لا تصنعها ، تشتري السيارة هي الآن ملكك في السجلات الرسمية ، إنك لم تصنعها فكيف لو صنعتها قطعة قطعة و أداة أداة ؟ أبلغ ، تدفع الثمن تملكها ، فكيف إذا صنعتها أنت ؟ أبلغ ملكية أن تصنع هذه المركبة بكل تفاصيلها ، أحيانا فنان يرسم لوحة ، كل ضربة ريشة عبّر بها عن شيء ، يقول لك: أنا وجودي في هذه اللوحة ، لأن هذه اللوحة من إبداعه ، الفرق كبير بين أن تشتري هذه اللوحة و بين أن تكون أنت الذي رسمتها ، فرق كبير جداً ، تصور لو أنك صنعت شيئاً متقناً ، أخ من يومين أطلعني على كتاب مهم جداً ، هناك من مزَّقه له ، مزق له بطاقة الطائرة ، هناك خصومة بين طالبين ، دفتر سليم ، و كتاب سليم بطاقة لها ثمن غال ، جاء من مزَّقها ، الإنسان بنيان الله ، و ملعون من هدم بنيان الله ، إذا أنت أخذت إنساناً و ضيَّقت على إنسان أو احتلت على إنسان أو ابتززت مال إنسان ، هذا الإنسان بنيان الله ، وملعون من هدم بنيان الله ، "له " أول أنواع الملكية أنه خالق ، ثاني أنواع الملكية أنه متصرف ، هو صنع والأمر بيده ، الإنسان أحياناً يكون مالكا لبيت و لكن ليس له مستأجر قبل السبعين ، لا ينتفع به إطلاقاً ، فهنا :

﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾

[سورة البقرة:255]

 الكون كله ملكه خلقاً و تصرفاً و مصيراً ، أنت قد تملك و لا تنتفع ، إنسان له بيت أجَّره ، أصبحت منفعة هذا البيت ملكاً للمستأجر ، إذاً إنسان مستأجر بيتاً لا يملكه ، انتفع و لا يملك ، يملك ولا ينتفع ، و ينتفع ولا يملك ، إنسان ملك وانتفع ، ساكن في بيته تفاجأ بقرار تنظيم ، البيت استملِك ، وصار شارعاً ، مصيره ليس بيده ، دقق معنا ، مالك لا ينتفع ، ينتفع و لا يملك ، ويملك و ينتفع ، المصير له ، قال بعض علماء التوحيد: الله عز وجل له ما في السموات والأرض إيجاداً و تصرفاً و مصيراً ، إليه المصير ، و بيده التصرف ، وهو الذي أوجد و خلق ، هذا معنى " له" .

الله عز وجل لا يقع شيء في ملكه إلا بإرادته :

 الآن من لوازم " له ما في السموات وما في الأرض ، أنه لا يقع شيء في ملكه إلا بإرادته ، لذلك : كل شيء وقع أراده الله ، و كل شيء أراده الله وقع ، لا يليق بذات الله العلية أن يقع في ملكه ما لا يريد ، فإذا وقع شيء أراده الله ، وإذا أراده وقع ، أي معلومة متعاكسة ، الكلام دقيق و خطير صار هناك إعصار في بلد ، ما دام أن هذا الإعصار وقع إذًا أراده الله ، صار هناك مجاعة في بلد ، ما دامت هذه المجاعة قد وقعت أي أرادها الله عز وجل ، كل شيء وقع أراده الله ، بالمقابل ، كل شيء أراده الله وقع ، إذاً الله عز وجل حرّم شيئاً و إنسان فعله تحدِّيًا في الأعمِّ الأغلب الله عز وجل سيعاقبه ، فإذا توعد الله عز وجل من يعصيه بالدمار قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة البقرة: 279]

 الله عز وجل توعد المرابين بحرب ماحقة مهلكة ، الآن أراد الله أن يمحق مالهم، فلا بد أن يُمحق مالهم ، فكل شيء وقع أراده الله ، وكل شيء أراده الله وقع ، إرادته متعلقة بالحكمة المطلقة ، وحكمته متعلقة بالخير المطلق .
 واللهِ أيها الأخوة ، هذه المقولة على إيجازها و قصرها لا يمكن أن تبقي في نفس المؤمن قلقاً ، وقع أراده الله ، مرة أستاذ لنا في الجامعة ذهب إلى مؤتمر الصحة النفسية في ألمانيا و كان مندوب سورية ، حدثنا فقال : قلت لهم ببساطة : تكاد الأمراض النفسية أن تكون قليلة جدا أو معدومة في بلادنا ، لسبب بسيط جداً هو أن أهلنا يؤمنون بالله ، إنسان مستسلم لله، إذا منحه شيئاً فهو شاكر ، و إن لم يمنحه فهو صابر ، هكذا ترتيب ربنا ، هذا قضاء الله و قدره ، قال تعالى:

﴿ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾

[سورة البقرة: 279]

علاقة الإنسان مع الله و ليست مع الناس :

 الآن:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 الشفع والوتر ، الشفع الزوج ، أي من يستطيع أن يصل إنساناً بإنسان ؟ إنسان قوي أعان ضعيفاً ، أو إنسان قوي دمَّر ضعيفاً ، أو إنسان غني منح فقيراً ، أو إنسان غني استغل فقيراً ، عقرب لدغ إنساناً ، أفعى لدغت إنساناً ، إنسان شرير أوقع الأذى بإنسان آخر ، من ذا الذي يشفع عنده في ملكه إلا بإذنه ، أي يصيب الإنسان بعد أن يأذن الله و يرضى ، علاقتك مع الله و ليس مع الناس ، هذا التوحيد مريح جداً ، ينفي الحقد من قلبك ، لا يوجد حقد ، ينفي العبثية ، أكثر الناس من شدة ضعف توحيدهم ، نقصني علامة ، ذهب مستقبله كله، خسرت دراستي في أوروبا من أجل علامة ، أو يقول لك : فعلت هكذا جاءت رصاصة طائشة في عرس ، لا حول له ، لو عمل هكذا لم يمت ، لكل شيء حقيقة ، و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 لا رصاصة ولا شظية ، شظية طائشة لا توجد عندنا في الدين ، هناك شظية مسوَّمة عليها اسم صاحبها ، شظية مسومة ، هذه لفلان ، لكل شيء حقيقة ، و ما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، و ما أخطأه لم يكن ليصيبه ، مهندس عرسه بعد أيام ، كان في بناء يلقون الحديد من مكان مرتفع إلى كومة رمل بطريقة مألوفة هنا جاء أحد أسياخ الحديد في رأسه فمات فوراً ، نحن نحاسب المذنب ، و لكن الشيء حينما يقع أراده الله ، لا يمكن إلا و أن يقع.
 أخواننا الكرام ، هذه الأفكار مريحة جداً ، تخفِّف الضغط النفسي ، تخفف الندم، تخفف الحقد ، تخفف الضياع ، كل شيء وقع أراده الله ، كل شيء أراده الله وقع ، معقول الله عز وجل يقع في ملكه ما لا يريد ، إذا كان مدير مستشفى حازماً ، مدير مؤسسة ، معقول أن يقتحم إنسان المكان و يبلغ الناس شيئاً ، و المدير العام ليس عنده علم ؟ مستحيل ، المدير الحازم يعلم كل شيء في مملكته الصغيرة ، و لا يستطيع إنسان أن يتحرك حركة من عنده إلا باستئذان ، فما معنى أنّ الله عز وجل يقول:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 يستطيع لصٌّ أن يدخل بيتاً إلا أن يأذن الله له ؟ يستطيع إنسان يسوق سيارته و يصدم إنساناً فيصيب عموده الفقري ولا دخل لله في ذلك ؟ مستحيل ، قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 أنت نم قرير البال ، إذا كنت مع الله كان الله معك ، هذه معان مسعِدة جداً ، هذه معان مطمئنة ، هذه معان تجعل أعصابك باردة ، هذه معاني تجعلك متفائلاً بالمستقبل ، عليَّ أن أطيعه ، عليّ أن أستقيم على أمره ، عليّ ألاّ أؤذي عباده فقط ، وعليه هو أن يحفظني قال تعالى:

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 من يجرؤ أن ينالك بأذى إن لم يرد الله عز وجل ؟

الله عز و جل عالم الغيب و الشهادة :

 ثم قال تعالى:

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾

[سورة البقرة: 255]

 ما بين اليد أمامك ، و ما خلفك وراءك ، مبدئياً ما بين اليد أمامك الذي تراه بين عينيك ، و ما خلفك فلا تراه ، أعمق من هذا ، ما بين يديك علم الشهود ، و ما خلفك عالم الغيب ، عندنا عالَمان ؛ عالَم الشهود ، و عالَم الغيب ، هو يعلم عالم شهودك و عالم غيبك ، إنسان عنده ولد عمره ثماني سنوات مثل الملَك ، هذا في الستين ما وضعه ؟ من هذا ؟ يا ترى عالم كبير ؟ يا ترى مجرم كبير ؟ يا ترى تاجر كبير ؟ يا ترى محامي كبير ؟ يا ترى يموت في الستين أم في الثامنة عشرة ؟ إنسان رحمه الله كان منشداً مات في المئة و الأربع سنوات ، من وقت ما نشأنا نعرف صورته ، إنسان يموت خطفاً في ثوان ، في الثلاثين ، في الخامس و العشرين ، عالَم الغيب مَن يعلمه ؟ مرة قرأت في كتاب أن إنساناً عنده فتاة جميلة جدا ، والبنت أقرب شيء لوالدها ، توفيت كاد قلبه يتفطر ، محبة الأب لبناته شيء لا يُتصور، يسعني لو أن الله أطلعه أن هذه البنت إذا كبرت ستكون زانية ، فإذا قرَّبها الله في سن مبكِّر هل يتألم ؟ هذا معنى قولهم : "لو كُشف الغطاء لاخترتم الواقع " أحياناً تُمنع من سفر، تقيم في بلدك ، هناك روحانية ، ودين و لك مسجد ، و لك شيخ ، مستقيم طاهر ، عندك مجلس تحلق روحانياً ، أنت تعرف لو سافرت اختلف وضعك كلياً ، أنا لاحظت الإخوان المقيمين في بلاد الغرب وبأمريكا مع مضي الزمن يألفون حياتهم و قيمهم و عاداتهم وتقاليدهم، حتى وأفكارهم ، حتى و معتقداتهم مثلاً هنا في بلادنا - لا سمح الله و لا قدّر - لو أنّ فلاناً شاذاً ، شيء حقير جداً ، أحقر من الحقير ، بينما تذهب إلى بلد آخر تجد مديرًا عاماً لشركة شاذاً وضع قراراً أن أيَّ إنسان شاذ يُمنح هو و شريكه تعويضاً عائلياً ، هل تصدِّق أن في كندا يُمنح الجنسية الكندية أيُّ شاب أحب فتاة كندية ، وأيُّ شاب له شريك جنسي كندي ، هذا في قانونهم ، إذا هناك اثنان شاذان واحد منهم كندي شريك الثاني يُمنح الجنسية الكندية إكراماً لهذا الشريك الشاذ ، إذا عاش الواحد في بلاد الغرب ، واللهِ دخلتُ لسان فرانسيسكو خمسة و سبعين منها شاذين ، هذه عاصمة الشواذ ، ما لمحت طفلاً طول النهار أبداً ، كلهم رجال ، فإذا عاش الواحد معهم يألفهم ، حاكم ولاية ، قاض كبير ، مدير عام شركة ، شاذ ، واللهِ مرة قرأت في صحيفة تشرين الدمشقية تصريحاً لوزير الصحة البريطاني قال : أنا شاذ جنسياً والله استغربت ، وزير صحة يصرِّح عن نفسه بهذا ، مهمة وزير الصحة مكافحة الإيدز أليس كذلك ؟ أحد أكبر أسباب الإيدز الشذوذ ، فكيف تفهم هذا من وزير صحة مهمته مكافحة مرض الإيدز وأحد أكبر أسباب الشذوذ ؟ فعالم الغرب إذا عاش الواحد معه يقتنع بأفكاره ، يقنع بانحرافاته ، يقنع بقيمه ، الأبلغ من ذلك ينضم للجهة المعادية للمسلمين و ينتقد المسلمين إذا كان هناك عمل وطني أو عمل إسلامي يقول : أزعجونا يا أخي، أحرجونا أمام بلادنا ، قال تعالى :

﴿ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾

[سورة البقرة: 255]

 أي يعلم عالم الشهود وعالم الغيب ، والغيب بيد الله عز وجل ، هو يعلم ، لما هذه السورة قال النبي عنها : هي أعظم آيات القرآن ، واللهِ كلام طيب .

عدم إحاطة الإنسان بشيء إلا بقدرة الله عز وجل :

 قال تعالى:

﴿ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة: 255]

 سؤال : إذا قلنا : يعلم ما بين أيديهم ، هل ينفي أن يعلم إنسان شيئاً آخر ؟ إذا قلت : أنا أعلم أيام الأسبوع ، تعلمها وحدك ، ممكن إنسان يعلم ، أما القسم فقال تعالى:

﴿ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة: 255]

 يا أخي عرفوا نوع الجنين في الرحم ، واضحة جدا ، أولاً : هذه تحت هذه الآية قال تعالى:

﴿ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة: 255]

 شاء لهذا الإنسان أن يعلم ، الله شاء له ، الله سمح ، كان شيئاً مغلقاً فكشفه الله ، الشيء الثاني ، قال تعالى:

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

[سورة لقمان: 34]

 غير ويعلم من في الأرحام ، لو أن الله قال : يعلم من ، أي ذكر أو أنثى ، أما يعلم ما ، فهل تصدقون ؟ واللهِ شيء مثل الخيال ، واللهِ قرأت موضوعاً أن الحوين المنوي هو عبارة عن خلية ، لهذه الخلية نواة ، على هذه النواة خمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة ، الآن عرفوا مئة في المئة ، علم الوراثة عرفه مئة ، يقول لك: هناك مورِّث و سرطان ، هناك مورثات البدانة ، تجد صحته ممتلئة يأكل بزيادة ، و النحيف أكله قليل ، يأكل أكلاً بسيطاً جداً لا يرغب في الأكل ، الثاني يرغب ، فيه مورث ، أحد مورثات البدانة ، مورث السرطان ، مورث مثلاً الطول ، أنت مبرمج ، عرفوا الآن مئة ، أما هي فخمسة آلاف مليون معلومة مبرمجة ، فإذا الله قال : يعلم من في الأرحام ، عرفوها الآن ، أي ذكر أو أنثى ، أما الله فلم يقل : مَن ، قال:

﴿ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾

[سورة لقمان: 34]

 أي خمسة آلاف مليون معلومة سوف تشكل هذا الإنسان. لي صديق أنجب توأماً من الإناث من بويضة واحدة ، أي أبلغ تشابه ، هناك توأم من بويضتين ، المبيض يطرح بويضتين ، كل بويضة يلقحها حوين يصير هناك توأم من بويضتين ، أما أن تُلقَّح بويضة واحدة وتنقسم قسمين ، يكاد التشابه تاماً ، قال لي: واللهِ ازدادت معرفتي بالله من هاتين البنتين، كل واحدة بطبع ، واحدة هادئة جداً ، وواحدة متحركة جداً ، من بويضة واحدة ، فالله عز وجل إذا كشف للإنسان شيئاً فإنه سمح له ، كل إنجازات العصر سمح الله بها ، الآن عملوا استنساخا إذا نجح يكون الله قد سمح ، و إذا لم ينجح الله لم يسمح ، ارتح ، قال تعالى:

﴿ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾

[سورة البقرة: 255]

 شاء لهم أن يعلموا فعلموا ، لم يشأ لم يعلموا ، وانتهى الأمر ، معقول الإنسان يختل توازنه بمقالة قرأها ، أين إيمانه هذا ؟ بصراحة أحياناً تزيد عموداً فرضاً قطره عشرة سنتيمتر وطوله ثلاثة أمتار ، وتوقفه ، لو دفعته بأصبعك لوقع ، هناك إيمان هكذا ؟ عمود طويل طوله هكذا وقفته بصعوبة ، ليس فقط بأصبعك ، إذا هبَّت رياح يقع ، وهناك جبل ، إذا كان هناك رياح عاتية جداً يتحرك هذا الجبل ، ليس هناك قوة تحركه ، هناك إيمان كالجبل ، وهناك إيمان كالعصا ، وقفتها بصعوبة ، هناك شخص إيمانه ضعيف جداً ، لا يجد كلمة و لا يجد مقالة ، لا يجد شيئاً جميلاً فيُفتن به و ينتهي ، أحياناً هناك أخ يحضر دروساً ، فإذا تزوج اكتفى ، لعبت بعقله البنت ، أين الإيمان ؟ عاهدنا رسول الله على الطاعة في المنشط و المكره، في إقبال الدنيا و إدبارها :

﴿ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ﴾

[سورة البقرة: 255]

 أي وسع علماً :

﴿ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾

[سورة البقرة: 255]

 لا يتعبه حفظهما ، الكون مئة ألف مليون مجرة ، و كل مجرة مئة ألف مليوننجم، وكل نجم يتحرك في مسار مغلق ، تحريك الأرض سهل ؟! أحياناً ترى في معامل الرخام مثلا كتلة مليمتر ونصف على متر و نصف ، وزنها حوالي خمسون طنًّاً ، كتلة رخام تحريكها سهل !؟

سورة الكرسي من أعظم آيات القرآن الكريم :

 أيها الأخوة ، إذا قال عليه الصلاة والسلام: " هذه الآية أعظم آي القرآن..." ينبغي أن نعلم أنها عظيمة ، وهذه بعض ما وُفَّقت لشرحه من معاني هذه الآية ، وقبل أن ننام نقرأ آية الكرسي ، تشعر أن الله هو الحافظ وهو الناصر وهو المؤيِّد وهو الموفِّق ، وهو الذي يعلم ما كان و ما يكون وما سيكون ، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون ، علم ما كان ، و علم ما يكون ، وعلم ما سيكون ، وعلم ما لم يكن لو كان كيف يكون ، أي أنت ما شاء الله حولك ممتاز ، أما لو معك حوالي ألف مليون لا نعرف ماذا سيحدث معك مثلاً ، من يعرف ؟ الله يعلم ، أما أنت فلا تعلم ، على هذا الوضع ممتاز ، أما على أكثر فلا نعرف ، كل إنسان له وضع ، لذلك الإمام الغزالي قال: ليس في الإمكان أبدع مما كان ، أو ليس في إمكاني أبدع مما أعطاني .
 أيها الأخوة ، قال تعالى :

﴿ قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَاداً لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً ﴾

[سورة الكهف: 109]

 أنا لا أعتقد أن هناك كلاماً يستحق أن تفهمه ، وأن تعمق فهمك له ، و أن تكرره، وأن تتمثل معانيه ، وأن تعظِّمه ككلام الله عز وجل ، وهذا من كلام الله ، ومن نصيحة النبي عليه الصلاة والسلام أن تقرأ هذه السورة إذا واجهك مكروه ، إذا الإنسان أراد أن يسافر فليقرأ هذه السورة :

﴿ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾

[سورة البقرة: 255]

 هناك مليون خطر في السفر ، مليون مشكلة ، الإنسان لا يعرف متى الأجل ، لا يعرف على أي طريق الأجل ، الله يعلم ، فإذا قرأ هذه السورة أو هذه الآيات فهو في حفظ الله.

والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS