2246
شرح الحديث الشريف - الشرح المختصر - الدرس ( 165 - 207 ) : لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة...
لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي بتاريخ: 2003-08-11
بسم الله الرحمن الرحيم

 الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين .
أيها الأخوة الكرام:
 القاعدة الثابتة أن كل أمر في القرآن الكريم يقتضي الوجوب، فإذا قال الله عز وجل:

﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً (41)﴾

( سور الأحزاب )

 صدقوا أيها الأخوة أنه ما من أمر في القرآن الكريم يدور مع الإنسان، في كل أوقاته، وفي كل أحواله، وفي كل شؤونه، في حله وترحاله، وغناه وفقره، في كل أحواله كذكر الله، واسع جداً .
 إذا دعوت الله فأنت ذاكر له، إذا استغفرته فأنت ذاكر له، إذا تبت إليه فأنت ذاكر له، إذا ناجيته فقد ذكرته، إذا سبحته فقد ذكرته، إذا كبرته فقد ذكرته، إذا وحدته فقد ذكرته، إذا تلوت كتابه فقد ذكرته، إذا صليت فقد ذكرته، إذا أمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر فقد ذكرته، إن جلست في مجلس علم لتعرف آية أو حديثاً فقد ذكرته، إذا طلبت كتاب فقه لتعرف حقيقة حكم الشرع في موضوع ما فأنت ذاكر له، من هنا قال الله عز وجل

(( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ))

أيها الأخوة الكرام:
 ما في مثل أوضح وأقرب لحياتنا كشحن هذا الهاتف الخلوي، إن لم تشحنه انتهى، ما عاد هاتف، قطعة بلاستيك، أصبح عبء عليك، أما إذا شحنته ينطق تتصل وتتلقى اتصالاً، فالله قال:

(( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ))

 وحينما يذكر غير الله عز وجل .

(( ما مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلسٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَعالى فِيهِ إِلاَّ قامُوا عَنْ مثْلِ جِيفَةِ حِمارٍ ))

[ رواه أبو داوود عن أبي هريرة ]

 وأحاديث الناس الآن من دون أن تذكر الله، من دون تسبحه، من دون أن تمجده من دون أن توحده، من دون أن تتحدث عن آلاءه، من أن تتحدث عن نعماءه، من دون أن تتحدث عن بلاءه، ينبغي أن تعظمه، وأن تحبه وأن تخافه .

(( كما ورد في بعض الآثار القدسية: أي عبادك أحب إليك حتى أحبك بحبك، قال أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء، أحبني وأحب من أحبني وحببني إلى خلقه، قال يا ربي إنك تعلم أنني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك قال ذكرهم بآلائي ونعمائي وبلائي ))

يعني ذكرهم بآلائي كي يحبوني، فأنت في جلسة ما لو تحدثت عن آية كونية عن آية في خلق الإنسان .
 مرة كنت في جلسة، نظرت اتجاهات متعددة، انتماءات متناقضة، مستحيل أن يقبلوا منك شيئاً، ذكرت لهم أن هذا الذي ينزل مع الجنين تسميه العامة الخلاص هذا إلى الحاوية مباشرة، لكن لو يعلم الناس ما في هذه المشيمة من آيات دالة على عظمة الله لأقشعر بدنه، قلت مرة حدثني طبيب نسائي:
 إنسانة على وشك الولادة، ثم ولدت، تقليد المستشفى أن إلى جانب هذه المرأة توضع إضبارتها، لو أنها احتاجت إلى دم فجأة يفتحوا إضبارتها يعرفون الزمرة، قال لي شيء عجيب ولدت ونجحت الولادة وغادرت غرفة العمليات، ولم تنزع إضبارتها من جنبها جاءت امرأة ثانية كي تولد نسيّ الطبيب أن يأتي بإضبارة المرأة الثانية عندما وجد إضبارة إلى جانبها ظن أن إضبارتها، احتاجت إلى دم، فتحوا الإضبارة أخذوا الزمرة أعطوها ماتت فوراً، إذا يدخل دم لجسم الإنسان مخالف لزمرته، ينحل دمه ويموت فوراً، هذه المشيمة فيها دورتا دم الأم والجنين معاً، وكل دم زمرة، ولا يختلطان، هنا العظمة، بينهما غشاء سماه علماء الطب الغشاء العاقل، لأن هذا الغشاء العاقل يقوم بأعمال لا يستطيعها أعلم علماء الطب، بل إن المهمات التي يقوم بها الغشاء العاقل لو أوكلت إلى أعظم طبيب في الأرض لمات الجنين بساعة واحدة، ماذا يفعل هذا الغشاء العاقل ؟
قال ينتقي من دم الأم ما يحتاجه الجنين، ويسمح بمروره عبر الغشاء العاقل بوتاس، مغنيزيوم، معادن، كالسيوم، مواد دسمة، شحوم ثلاثية، يحتاج إلى مواد سكرية هذا الغشاء يختار من دم الأم ما يحتاجه الجنين، وكل يوم اختيار جديد بحسب نمو جسم الجنين، لماذا سموه الغشاء العاقل ؟ هذا أول شيء، إذاً هو جهاز هضم للجنين، الآن:
 الآن يأخذ من دم الأم الأوكسجين، ويسمح بمروره إلى دم الجنين كي يستخدم هذا الأوكسجين في حرق المواد السكرية، كي يتولد عند الجنين الطاقة، إذاً هو جهاز تنفس الآن:
هذا الغشاء يأخذ من دم الأم عوامل المناعة التي عندها، وينقله إلى دم الجنين فالجنين لا يصاب بالأمراض التي حُصلت منها أمه باللقاح، أخذ خلاصة اللقاح كله، إذاً هو جهاز مناعة مكتسب، الآن:
الغشاء يقوم بعملية معاكسة، يبحث عن المواد السامة في دم الجنين، وثاني أوكسيد الكربون وحمض البول، يأخذها من دم الجنين إلى دم الأم، كي تطرح عبر كليتيها وعبر جهازها التنفسي، إذاً هو جهاز إفراز، كليتان للجنين، الآن:
 الغشاء العاقل لا يسمح لمعظم الأمراض الجرثومية أن تنتقل عبره إلى الجنين الأم مرضت، معها مثلاً مرض معين، كوليرا، جرثوم الكوليرا في دم الأم لا ينتقل إلى دم الجنين الآن هذا الغشاء يفرز مادة تعين على احترق السكر في الدرجة 37، إذاً أصبح بنكرياس .
هذا الغشاء يحث ثدي الأم قبل الولادة على إفراز الحليب، شيء يحير، هذا الخلاص يضعونه بالحاوية .

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )

 عندما وجدت المجتمعين انتماءات متعددة، واتجاهات متباينة، كل واحد خلفية وكل واحد لسانه طويل، فبهذا الموضوع العلمي سكت .

﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾

( سورة لقمان الآية: 11 )

 فإذا ذكرت الناس بآية كونية، بخلق السماوات والأرض، بخلق الإنسان، بآية من خلق الحيوان، بآية من خلق النبات، إذا كان ذكرت الناس بهذه الآيات فأنت ذاكر لله عز وجل، هذا الذكر، ذكر واسع جداً، لذلك قال عليه الصلاة والسلام:

(( لا يقعد قوم يذكرون اللَّه ))

[ رواه مسلم ]

 يعني يحدثك حديث يقربك من الله، مهمة المؤمن يقربك، مهمة الكافر والفاسق يبعدك، مثلاً يقول لك سبحان الله، الله خلقنا للعذاب، يبعدك، يقول لك ممكن أن تطيعه كل عمرك ويضعك في جهنم .

﴿ لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾

( سورة الأنبياء الآية: 23 )

 هكذا قال الله، كيف ما تكلم يبعدك عن الله، كيف ما تكلم ينفرك من الدين، والله يا أخي مسكين واحد وضع فلوسه في البيت فجاءوا وسرقوهم، يعني لأنك خفت من الله وخبأتهم بالبيت سرقوا الفلوس وقتلوه، أما الذي لم يخاف من الله ولم يسأل وضعهم في البنك لم يحصل لهم شيء، ما معناها ؟ معناها إياك أن تخاف من الله، أليس كذلك يقول:

﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾

( سورة الفرقان الآية: 70 )

 فكلما كثر السيئات الله يبدلها بحسنات، لحق نفسك بكم ذنب كبير، فكيف ما تكلم يبعدك، المؤمن كيف ما تكلم يقربك، ذكر الله يقربك من الله عز وجل، إن في أسماءه الحسنة، إن في صفاته الفضلى، إن في تحبيبك برسول الله، بهذا الشرع الحكيم، بهذه الحكمة البارعة .
يا أخوان:

(( لا يقعد قوم يذكرون اللَّه إلا حفتهم الملائكة ))

 تأتيهم إلهامات لصالحهم، يا عبد الله افعل كذا، لا تفعل كذا .
" وغشيتهم الرحمة " .
 ما هي الرحمة ؟ مطلق عطاء الله، الصحة من الرحمة، والسمعة الطيبة من الرحمة، والراحة النفسية من الرحمة، والوجه لله من الرحمة، والسكينة من الرحمة والتوفيق من الرحمة يعني إذا كان الله معك بالتوفيق والدعم، والتأييد، والنصر، والحفظ هذه معنى معية الله الخاصة .

(( وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم اللَّه فيمن عنده ))

[ رَوَاهُ مُسلِم ]

 والله أيها الأخوة في بقلب المؤمن من الراحة، والتواضع، والسعادة، ما لو وزع على أهل بلد لكفاهم، يعني علاقته مع واحد، وهذا الواحد بيده كل شيء، وراضيه هو .

(( من جعل الهموم هما واحدا هم المعاد كفاه الله سائر همومه ))

[ عن ابن مسعود رضي الله عنه ]


(( اعمل لوجه واحد يكفيك الوجوه كلها ))

[ عن ابن عدي في الكامل والديلمي في مسند الفردوس عن أنس ]


 علاقته مع واحد، وهذا الواحد بيده كل شيء، ينام مطمئن، يعني للتقريب:
 مجند غر أخذوه على الجيش، أبوه قائد الجيش، يخاف من أي رتبة عسكرية أبوه بيده كلهم .

﴿ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾

( سورة هود الآية: 55 )

 كلهم دواب، وحيد القرن دابة حسب الآية أليس كذلك ؟

﴿ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)﴾

( سورة هود )

(( وذكرهم اللَّه فيمن عنده ))

 أنت تحدث الناس عن الله، الله عز وجل يعلي قدرك، وتذكر في مجالس أرقى من المجلس الذي تحدثت عن الله فيه، قوانين يا أخوان كلها قوانين، آه لو نعرف هذه القوانين، مستحيل وألف ألف مستحيل أن تطيعه وتخسر، و مستحيل وألف ألف مستحيل أن تعصيه وتربح وسبحانك:

(( َإِنّه لا يَذِلّ مَنْ وَالَيْتَ وَلا يَعِزّ مَنْ عَادَيْت ))

[ رواه قُتَيْبَةُ بنُ سَعِيدٍ عن بُرَيْدِ بنِ أبي مَرْيَمَ ]

 واحد عاد الله عز وجل يعز ؟ لا يذل، الآن أو بعد حين، يكون الحبل مرخى واحد يطيع الله ويذل ؟ أبداً، الله يعزه .
 سيدنا الحسن ما شي، قال له ما هذا الكبر، قال له ليس هذا كبراً إنه عز وجل الطاعة، الطائع عزيز، قد يكون حاجب، راضي الله عز وجل يشعر بنفسه مهم جداً عند الله عز وجل .
والحمد لله رب العالمين
الخدمات البريدية للموسوعة
صفحة الاشتراك البريدي لجديد الموسوعة وخدمة ارسال الحكم اليومية. والاشتراك بأقسام خدمة التلقيم المبسط جداً المعروف باسم RSS